جستين غينغلر: الشقاق الملكي، والخوالد، وتحويل "أزمة الشيعة" في البحرين إلى مسألة أمنية "1-5"

2013-07-27 - 8:00 م

جستين غينغلر،

نشرة الدراسات العربية: شبه الجزيرة والخليج والبحر الأحمر

Journal of Arabian Studies 3.1 (June 2013), pp. 53–79

ترجمة، مرآة البحرين.

 جستين غينغلر، باحث أول في هيئة المسح الاجتماعي والاقتصادي في معهد البحوث، بجامعة قطر، ومحاضر مساعد في جامعة نورث وسترن في قطر، يتتبع في هذه الدراسة المطولة بروز تكتل الخوالد في السلطة البحرينية، ويوضح كيف وضع هذا التكتل أزمة الشيعة في البحرين في إطار أمني لا سياسي وعليه عمد إلى اللجوء إلى حلول أمنية لنزاع سياسي. 

تنشر (مرآة البحرين) ترجمتها لهذه الدراسة على حلقات.

 

ملخص الدراسة:

لوحظ أنّ الاستراتيجيات التنافسية ضمن النظام السياسي الحاكم -التي بدأت مع تولي الملك حمد بن عيسى آل خليفة في العام 1999- ازدادت وضوحًا مع بداية الثورة الشعبية في شهر شباط/فبراير من العام 2011. ويقال إنّ المأزق الممتد بين المعارضة والحكومة الذي تميز به حكم الملك حمد ما هو إلّا انعكاس للنزاع الداخلي بين أفراد العائلة المالكة حول تحديد الإطار العام الذي يجب أن يتم من خلاله التوصل إلى فهم وحل للتحرك السياسي الشيعي. بل إنّ الاستراتيجية التي اتبعها الحكم حتى قبل الثورة الشعبية كانت تعتمد بشكل متزايد على إملاءات التكتل الملكي الحديث -أي (الخوالد)- هذا التكتل الذي وضع أزمة الشيعة في البحرين في إطار أمني لا سياسي وعليه عمد إلى اللجوء إلى حلول أمنية لنزاع سياسي. إنّ المفارقة تكمن في بروز تكتل الخوالد للمرة الأولى في ظل حكم الملك حمد.

الكلمات المفتاحية: البحرين، الربيع العربي، ثورة 14 فبراير، عائلة آل خليفة، الخوالد، الشقاق الملكي، الطائفية،الحكم المستبد، ملكيات الخليج العربي، الدول الريعية.

"لقد أدّت النزاعات المتزايدة والكراهيات بين أفراد وأقارب العائلة الحاكمة [في البحرين] إلى تجاهل الاعتناء بشعب البحرين وتجارته ورخائه".

(الكابتن آرنولد. ب. كامبل، مساعد المقيم السياسي البريطاني في الخليج، 1845)(1)

 

 المقدمة

لقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا اتهاميًا ضد الحكومة البحرينية بلغ ثماني وخمسين صفحةً بعد 14 شهراً منذ انطلاقة أكبر ثورة شعبية في تاريخ البحرين الحديث. واتهمت برنامج الحكومة الإصلاحي والروتيني الذي هدف بشكل ظاهري إلى تهدئة الشكاوى التي أحدثت الاضطراب في البلاد. وبالرغم من طول التقرير، إلا أن المنظمة لخصت الوضع البحريني في عبارة افتتاحية صغيرة هي: 

"لم يتغير شيء على الأرض منذ القمع الوحشي الذي مورس ضد المتظاهرين المعارضين للحكومة في شباط/فبراير وآذار/مارس 2011"(2)

يشتمل التقرير على شرح الركود السياسي الحاصل في البحرين المنطوي على مجموعة ثابتة من الشخصيات والحبكات تجتمع جميعها عند نقطة واحدة ألا وهي الشرخ السياسي الداخلي. وبالتالي تنقسم الحركة الإصلاحية الشيعية في البحرين بين معارضة رسمية بقيادة جمعية الوفاق الإسلامية السياسية التي لا زالت تأمل في حل سياسي وبين حركة شعبية غير متجانسة ترفض كافة أنواع الحلول التي لا تتماشى والتغير الثوري في البلاد.

كما نلحظ انقسامًا في المجتمع السني حديث العهد بالصحوة السياسية في البحرين بين من يسعى لمواجهة تهديدات السيطرة الشيعية المتصورة وبين من عمل على إنشاء أجندات سياسية خاصة به (3).

غني عن البيان أخيرًا الحديث عن الانقسام الحاصل بين أفراد آل خليفة بين الفرقة "المعتدلة" بقيادة الملك حمد بن عيسى آل خليفة وولده ولي العهد الأمير سلمان وبين الفرقة المنافسة بقيادة عم الملك رئيس الوزاء منذ 42 سنة، الأمير خليفة بن سلمان.

وعلى من يريد تحليل التقاطع الفوضوي بين الجبهات الثلاث المدونة أعلاه - التي تتنازع مع بعضها البعض ومع نفسها أيضًا- أن يفهم بشكل عميق طبيعة المأزق السياسي البحريني. فالمعارضة المنقسمة بشكل كبير لا تظهر إلا حافزًا بسيطًا أمام الدولة لعقد صفقة، حيث إن قدرة جمعية الوفاق في أن تسيطر على الشارع محل تساؤل. أمّا في الجهة المقابلة فإنّ أي اتفاق سياسي مع المعارضة، لا بل أي إشاعة باتفاق سياسي قد تعقده الحكومة من شأنه أن يحدث أزمة بينها وبين الشارع السني الغاضب.

إذ إنّ القاعدة التقليدية الداعمة للعائلة الحاكمة المؤلفة من السنة واعية لدورها الحاسم في لجم الزخم الشعبي في شهري شباط/فبراير وآذار/مارس من العام 2011. وهي لم تعد راضية ببقائها على الهامش السياسي تاركةً الساحة للتدبيرات الخفية لسماسرة العائلة الحاكمة مع معارضيهم اللدودين.

أخيرًا لا بد من ذكر الدور المعرقل لـ "المحافظين" داخل عائلة آل خليفة إذ إنّ بروزهم بعد الثورة الشعبية أضاف عقدة جديدة في الاتجاه لمفاوضات سياسية ومصالحة وطنية أكبر.

بيد أنّ ما تكشف بعد عشر سنوات من بداية الدراما السياسية البحرينية هو أن الانقسام الحاصل ضمن العائلة الحاكمة في البحرين ليس هامشًا على أحداث الأزمة السياسية الحالية التي تصنف بأنها بحق أزمة قيادة. إذ إنّ الجمود السياسي بين الحكومة والمعارضة هو في جزئه الأكبر انعكاس لصراع داخلي لدى آل خليفة لتحديد الإطار العام الذي تفهم ضمنه معضلة البلاد وتحل. ومن المؤسف للبحرين، أن الكفة تميل للتكتل الذي وضع أزمة الشيعة في البحرين في إطار أمني لا سياسي وعليه عمد إلى اللجوء إلى حلول أمنية لنزاع سياسي بدون شك.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ التنافس الملكي الداخلي على رسم الخطوط السياسية الذي ظهر بشكل كبير إثر ثورة الرابع عشر من فبراير مع الإشارة إلى أنّ الصراع ليس جديدًا بأي حال من الأحوال. إذ أشار إليه عبد الهادي خلف قبل نحو عشر سنوات في معرض تعليقه على استلام حمد مهام الملك الإصلاحي فقال محللًا: "إنه يرفع التطلعات الشعبية إلى مستوى ربما لن يستطيع إرضاءها دون أن يصطدم بالمتشددين في العائلة الحاكمة"(4). إنّ مصطلحي "الاعتدال" و"المحافظة" هما المستخدمان في توصيف الصراع ضمن النخبة الحاكمة في البحرين، وعليه إنّ تحديد طبيعة المواجهة هو موضوع دراستنا هذه.

إنّ الاستفهام حول طبيعة المواجهة بين قطبي النخبة الحاكمة في البحرين مهم ليس فقط من الناحية التاريخية وناحية السياسة العامة بل من أجل العلم السياسي بحد ذاته.

إنّ تحديد صراع النخبة في البحرين على وجهة بوصلة السياسة البحرينية هو تحديد خلاف ضمني على مسألة أبعد وأكثر جذرية ألا وهي: مسألة العوامل التي تتحكم بالآراء والسلوك  السياسي لأكثر من نصف مليون مواطن بحريني، ونخص بالذكر قيادة المعارضة الشيعية.

باختصار نسأل، هل يمكن لأغلبية المعارضة السياسية المفترضة أن تسكت مقابل عطاءات مادية توزع بحكمة؟ أو هل الدافع وراء تحرك أغلبية البحرينيين سياسيًا أكثر من الرفاه الاقتصادي؟ إنها إجاباتهم المتباينة على هذا اللغز، بدلًا من الانطباع الهلامي لنوع شخصياتهم، والتي تميز استراتيجيي سياسات الصراع البحريني. لذلك ليس من المبالغة القول إنّ البحرين خاضت طوال العقد الفائت غمار تجربة سياسية بدأت الآن كما يبدو نتائجها بالظهور.

 

 تمييز "المعتدلين" من "المحافظين" في البحرين

لم تمض فترة طويلة على تجربة الملك حمد للإصلاح السياسي كي يظهر ضعف مشروعه، بل يستطيع المرء القول بأن مشروعه ولد ميتًا. وما ألغى المبادرة، ويا للمفارقة، هو وثيقته التأسيسية: دستور 2002  والذي صدر من جانب واحد بعد سنة واحدة من الاستفتاء الشعبي الذي صادق على خريطة طريق لتحقيق الإصلاح: ميثاق العمل الوطني.

لقد جاء الدستور المنقح مخيبًا لشعب موعود بالإصلاحات وناكثًا لأغلب الوعود في الفترة الانتقالية ما بعد 1999. إذ جاء مجلس النواب مفتقرًا للصلاحيات الفعالة وأقل درجة من مجلس الشورى المعين، كما تم حظر مجلس النواب بموجب مرسوم من أن يتداول في أي مسألة أو إجراء للحكومة تم اتخاذهما قبل تنصيبه في الرابع عشر من شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2002 (6). ثم أصدرت السلطة مرسومًا آخر يقضي بشمول العفو العام عن كافة المسؤولين المتهمين بجرائم التعذيب وجرائم أخرى ارتكبت في ظل النظام القديم، وتمت إعادة ترسيم البحرين إداريًا كي تنتج دوائر انتخابية غير متكافئة ومرسومة على أساس طائفي. ثم جاءت المفاجأة بتسمية حاكم البحرين نفسه ملكًا وتحويل البحرين من إمارة إلى مملكة.(7)

خلال العقد اللاحق ومع التعزيز التدريجي لحركة الإصلاح الدستورية، ظهر تحليلان، لتفسير التناقض بين الرؤيا والواقع. إلّا أنّ وجهة النظر الأكثر انتشارًا أكدّت على أن السبب يكمن في الدور المعيق للإصلاح الذي يلعبه رئيس وزراء البحرين خليفة بن سلمان المدعوم من كبار المحافظين في المملكة العربية السعودية. ويفسر أصحاب هذه النظرية التناقض الحاصل بافتقار الشيخ حمد إلى السلطة كي يدفع إلى سياسات أكثر انفتاحًا وذلك بالرغم من أنه يحمل روحًا إصلاحية ويؤمن بإمكانية تطبيقها.

أمّا الرأي الآخر الأقل انتشارًا وهو سائد بين بعض أوساط المعارضة هو رفضها أن فكرة الملك إصلاحية واعتبارها سطحية. هنا تأتي أهمية دور رئيس الوزراء بصفته كبش الفداء الذي يستر تقاعس الملك عن العمل السياسي وتراجعه عن وعوده.(8)

التحليل التالي يفترض بدائل أخرى: إن أجندة الملك السياسية لم تنتج كنتيجة عن إيمانه بالمثل الديموقراطية ولا عن الخداع بل بدافع الحفاظ على الذات. إلّا أنه أراد فعلًا وضع أسس سياسية واقتصادية بهدف وضع الحد للفوضى المدمرة التي حصلت في العقد الفائت. لكنّ الدافع إلى تلك السياسية لم يكن الإيثار في سبيل تطوير البلاد بل إيمانه أنّ سياسته هذه ستكسبه القوة التي حرم منها طوال ثلاثة عقود حينما كان وليًا للعهد.

إلاّ أنّ الملك حمد لا يتمتع لا بالخبرة ولا بالحظوة السياسية لإنجاز هذه التغييرات بشكل فردي، أمّا أفراد العائلة الحاكمة الذين لجأ إليهم كحلفاء والذين يشاركونه أمنيته في التمكن من الحكم إلا أنهم لم يشاركوه توجهاته المعتادة أو فهمه للمشكلة السياسية التي تواجه البحرين. وبقطع النظر عن الضغط الخارجي المتمثل بالقوات التقلييدية بقيادة خليفة بن سلمان والمملكة العربية السعودية، فإن مشروع الملك حمد تم تقويضه من الداخل أيضًا، إذ لم يستطع التغلب على تناقضاته الداخلية.

إنّ هذه الحقيقة تظهر بوضوح عندما يتم تعريف النزاع المعروض بشكل فضفاض بين "المحافظين" و"المعتدلين" بمزيد من الدقة المفاهيمية. فلا يمكن لأحد الادعاء بمعرفة حقيقة نوايا النخبة الحاكمة في البحرين، ولا داعي لذلك كي يستطيع المرء أن يستنتج الأهداف السياسية الأساسية للكتل المتنافسة من آل خليفة والاستراتيجيات التي يتبعونها لتحقيق ذلك. إذ إنّ طبيعة هذه الاستراتيجيات المتبعة والافتراضات السلوكية هي ما يستند عليه في تمييز المعتدلين من المحافظين في البحرين. ونجد في هذا الصدد نقاطًا مشتركة كثيرة بين الملك حمد والأمير خليفة أكثر من المتوقع.

إذ إن الملك والأمير قد يختلفان على آلية الحل إلّا أنهما يتفقان على الأقل على طبيعة المشكلة السياسية التي تواجه الدولة: أي يتفقان على كيفية الحفاظ على تكتل كافٍ من المواطنين الداعمين للحكم - سنة وشيعة- دون التخلي عن أي سلطة سياسية. وعلى أن تقلل السلطة في الوقت نفسه  من صرف  الموارد المادية بقدر ما تستطيع بهدف حصول العائلة الحاكمة على حصة أكبر من عائدات الموارد الطبيعية.

إنّ النزاع بين المحافظين والمعتدلين يحمل بين طياته سؤالين أساسيين ألا وهما: ما الذي ينتج تكتلًا رابحًا من المواطنين المناصرين؟ وما هو الحجم المناسب للتنازلات السياسية الاستيعاب الاقتصادي وفي حال فشل الاثنين ما هو الحجم المناسب للقمع الجسدي؟

لقد تقدم الملك الحمد على حكام الخليج خلال أعوام حكمه الأربعة عشر باتباع استراتيجية مختلطة من الاستيعاب السياسي والاقتصادي. إذ إنّه شاهد والده كيف فشل في كسر التمرد الشعبي الذي كان تحت قيادة شيعية والذي استنزف النصف الثاني من التسعينات، فاستلم الملك حمد السلطة واعدًا باتباع سياسة تقارب عام، والذى انطوى على إنهاء القمع العنيف،  وعودة المجلس الوطني الذي تم حله لفترة طويلة كما سمح للمعارضين بالعودة إلى الوطن. وقد عمد الملك في الوقت نفسه إلى دعم ابنه وولي العهد بايلائه مهمة مراقبة تنفيذ الإصلاحات: ثم أوكل الشيخ سلمان بمهمة أكبر ألا وهي رئاسة برنامج التحرر الاقتصادي والإنمائي المتمم.

وبالرغم من أنّ وعود الملك بالمبادرة الإصلاحية كانت خادعة إلّا أنّ المنطق الذي دفعه إلى تلك الوعود كان واضحًا  إذ إنّ فتح بعض المساحات السياسية للمعارضين السياسيين للعمل بالإضافة إلى تحسين المستوى المعيشي للمواطنين بواسطة الإنعاش الاقتصادي، وبذل الجهود لمكافحة الفساد من شأنها التخفيف من الاستياء الشعبي الذي عانت منه البحرين طوال العقد الذي سبق حكم الملك حمد.

نجد في الجهة المقابلة خليفة بن سلمان الذي كوّن منذ وجوده في السلطة أي منذ أربعين عامًا شبكة من الزبائن بعيدة المدى أكسبته دعمًا بارزًا ومستمرًا من نخبة تجار السنة والشيعة زبائن من الدرجة الثانية والثالثة من المواطنين بالإضافة إلى المؤيدين من العائلة المالكة في المملكة العربية السعودية: إنّ نهج رئيس الوزراء مبني على المصالح بالدرجة الأولى فهو لا يختار زبائنه على أساس مذهبي ولم يعتمد في تأسيس شبكته على المواطنين العاديين بل على النخبة: إنّ هذه الحقيقة تتجلى في الرأي العام وفي استعداده غير المتناسب في التعاطي بعنف مع من لا يرضى بالوعود المادية من المواطنين.

إنّ هذا النهج السياسي البديل الذي يتبعه رئيس الوزراء يضعه في مقابل الإصلاحات السياسية والاقتصادية إذ يرى أنّ الإصلاحات السياسية لا داعي لها وتحمل في طياتها سذاجة خطيرة. بل هي بالنسبة له توغل مباشر في أعماله المالية-السياسية المربحة. إنّ رئيس الوزراء يشترك مع ابن أخيه في ضرورة تحقيق البيئة المناسبة لضمان قوة  قطاعهم الخاص وبالتالي تجنب الانعكاسات السياسية والاقتصادية على وجه الخصوص لفترة متطاولة من العنف واللا استقرار.

علاوة على ما تقدم، يواجه رئيس مجلس الوزراء منذ انطلاقة الرابع عشر من فبراير 2011  تعقيدات سياسية تمسه شخصيًا فضلًا عن المشاكل التي تواجه آل خليفة لكونهم حكام دولة سلطوية. إذ إنّ المطلب الأساسي التي اجتمعت عليه قوى المعارضة مجتمعة هي استقالة رئيس الوزراء من الحكومة. فهو ليس معترضًا على مبدأ التنازلات السياسية فحسب، بل أنه يخشى أن يكون خروجه السياسي مطلبًا على طاولة المفاوضات، لذلك يُبقى دوره المعرقل لمشاريع الملك حمد وولي العهد الإصلاحية.

إنّ الدور الدائم لخليفة بن سلمان في عرقلة الإصلاحات ليس أكثر من جهد عملي للحفاظ على وجوده السياسي وهو نفسه دافع معتدلي آل خليفة: إذ إنّ كلا الفريقين ينتهج استراتيجية سياسية بهدف تعزيز وجوده السياسي سواء خارجيًا ( في قبال المواطنين) أو داخليًا (ضمن العائلة الحاكمة). فالشيخ خليفة يحاول في سبيل ذلك استقطاب طبقة التجار بالإضافة إلى صغار أفراد الأسرة الحاكمة من الذين هم على استعداد لقبول الرعاية المادية في مقابل أن يقدموا الدعم السياسي. أمّا بالنسبة للملك حمد وابنه فينتهجان كسر هذه الشبكات من خلال الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية وبذل الجهود في سبيل الحد من الفساد واسترضاء الرأي العام من خلال الاستعداد النسبي لمواجهة المظالم السياسية وتقديم الإصلاح.

وعلى الرغم من الاختلافات الجوهرية في النهج السياسي، لكن وجهات النظر التي يمثلها الملك ورئيس الوزراء تشترك في نقطتين أساسيتين: إنّ الهدف السياسي لكل منهما هو الحفاظ على السلطة أو تدعيمها ولهذا يحاول كلا الطرفين خطب ود الحلفاء والالتفاف حول المعارضين في إطار سياسي. أمّا النقطة الثانية التي يشترك فيها النهجان فهي أنّ نجاحهما الاقتصادي والسياسي يتطلب استقرارًا اجتماعيا وبالتالي ليس من مصلحتهما تعزيز الصراع بين المواطنين أو بينهم وبين الدولة.

إنّ هذا القاسم المشترك  يتعين تمييزه نوعيًا عن استراتيجية التنافس برعاية النصف الآخر من الجناح 'المحافظ' من آل خليفة، أي محور وزيري الدفاع والديوان الملكي الحاليين أي الأخوين خليفة وخالد بن أحمد. لفهم الصعود السياسي اللامتوقع لهذا المحور والنظرة السياسية التنافسية التي يمثلها لابد من العودة إلى محاولة سابقة في التغيير السياسي والاقتصادي في البحرين: أي الإصلاحات الإدارية المدعومة من القوات البريطانية في  العشرينات من القرن الماضي.


هوامش:

 جستين غينغلر: باحث أول في هيئة المسح الاجتماعي والاقتصادي في معهد البحوث، جامعة قطر، صندوق البريد رقم: 2713، الدوحة، قطر، jgengler@qu.edu.qa، ومحاضر مساعد في جامعة نورث وسترن في قطر، صندوق بريد رقم: 34102، الدوحة، قطر.

(1) مقتبس من كتاب طلال فرح، "الحماية والسياسية في البحرين"، 1869-1915، ص.11.

(2) منظمة العفو الدولية، "البحرين: الإصلاحات المعيبة: البحرين تفشل في تحقيق العدالة للمحتجين"، منظمة العفو الدولية،17 نيسان/أبريل،2012.

(3) جنغلر، "الصحوة السنية في البحرين"، مشروع الشرق الأوسط للبحوث والمعلومات، 17 يناير 2012.

(4) وفقًا لإحصاء السكان في البحرين لعام 2010، يبلغ عدد السكان مليون ومئتين من بينهم 568,399 مواطنًا بحرينيًا و666,172 من غير المواطنين الأصليين.

(5) خلف، "حصيلة عشر سنوات من محاولة الإصلاح السياسي في البحرين"، موجز عن الإصلاح العربي 24 (29 كانون الأول/ديسمبر من العام 2008).

(6) لإلقاء نظرة أكثر شمولية على هذه الفترة راجع كتاب جنغلر بعنوان "الصراع العرقي والتعبئة السياسية في البحرين والخليج العربي"، دكتوراه،2011.

(7) إنّ الرأي السابق عالمي تقريبًا بين المراقبين من الخارج، علي سبيل المثال نشر حديث العباس بوصفوان،"بنية الاستبداد في البحرين في دراسة توازنات النفوذفي العائلة الحاكمة"، مركز البحرين للدراسات في لندن، 16 أيلول/سبتمبر، 2012.

(8) خوري، القبيلة والدولة في البحرين: تطور نظام السلطة وممارستها(1980)، ص:24.

 

 

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus