رئيس الوزراء، رجل فزعة وقيام فتنة

2013-08-08 - 10:30 م

بين الفزعة من أجل الوطن، والفزعة من أجل الكرسي، مسافة من مروءة أو وضاعة

 

مرآة البحرين (خاص): استدعاء (الفزعة)، هي الطريقة التي اختارها رئيس الوزراء خليفة بن سلمان منذ فبراير 2011 حتى الآن، لمواجهة المحتجين الذين فضحوا فساد حكومته، وطالبوا بإقالته من منصبه الذي يتربع عليه منذ 43 عاماً، ودعوا إلى حل حكومته.

رئيس الوزراء استخدم الفزعة مرة باسم الوطن، ومرة باسم الطائفة، ومرة باسم أمن البلد، وأخرى باسم مواجهة الإرهاب، في حين أن الأمر لم يتجاوز الفزعة لفقد كرسيه المهدّد. 

هذا التقرير سيمر بنا ببعض محطات فزعات رئيس الوزراء منذ فبراير 2011 حتى الآن، وسنتوقف عند بعض نتائج هذه الفزعات خلال فترة السلامة الوطنية (الأحكام العرفية، قانون الطوارئ) في 2011. فزعاته الأخيرة جاء تحت تسمية (قانون مواجهة الإرهاب) الذي هو قانون طوارئ بامتياز.

فزعة الفتاة الداهسة

في 7 مارس 2011، تدهس فتاة من منطقة البسيتين (معقل الموالاة لرئيس الوزراء)، أحد المحتجين المعتصمين عند المرفأ المالي (اشترى رئيس الوزراء أرضه بدينار واحد فقط)، ثم تلوذ بالفرار، ليحتشّد خلال ساعات قليلة، ما يقارب 1000 متجمهر مسلّح في الساحة المواجة   لبيتها، رافعين السيوف والسواطير، إثر (فزعة) طائفية تم التحشيد لها، بأن (الشيعة) سيهجمون على بيت الفتاة انتقاماً. يهاجم المتجمهرون المسلحون بشكل وحشي، 6 صبية من منطقة الدير، كانوا يعبرون نحو بيوتهم، تم تحطيم سيارتهم، وكاد أن يودى بحياتهم لولا تدخل بعض الأخيار. لم يتم اتخاذ أي إجراء أمني ضد هذا التجمع غير القانوني، ولم يصدر تصريحاً رسمياً يصفه بالإرهاب وترويع المواطنين الآمنين، ولم تعتقل الفتاة الجانية (التي دهست) رغم وجود أشرطة الفيديو التي تثبت ذلك، ولم يعاقب أي من المتجمهرين المعتدين على صبية الدير. على العكس من ذلك، كانت مفاجأة تنتظر هذا التجمهر المسلح في اليوم التالي مباشرة (8 مارس)، إنها زيارة رئيس الوزارء   للمتجمهرين الذي بقوا مرابضين مكانهم ونصبوا فيه الخيام.

فزعة البسيتين..

الزيارة لم تكن لفض التجمهر المسلّح، ولا لتهدئته، ولا للدعوة إلى عدم الانجرار إلى المواجهة مع المكون الآخر من المجتمع، قال لكبرائهم الذين استقبلوه: "هم يتعمدون يسوون (يعملون) مواجهة، إحنا أكبر من أن نرد على مستواهم، لكن أي واحد يسوي إجرام تأكدوا إن بنرد عليه.. هذي بلدكم ولا حد بمسكم ولا حد بغير عليكم، وبنحاول نسوي هالساحة لكم، مشكورين على مواقفكم". لم يكتف رئيس الوزراء بالتشجيع على الاستعداء والكراهية، بل أضاف محرّضاً ومشعللاً: "سمعت إن ييون (يأتون) لي (إلى) مكانكم". ينفي الحضور. يتعجّب "سمعت إنه قبضوا عليهم"، ينفي الحضور، يسأل الضابط المرافق له، ينفي الأخير ويقول إنها إشاعة. يستدرك رئيس الوزراء بعد إحراج الموقف: "كل تطلعون إشاعات". يضحك الحاضرون لدرء إحراجه. 

في الخيمة التي نصبها هؤلاء، يخبره أحدهم عن عملهم على عريضة لمنع "العزاء في المحّرق"، لا يمنعه رئيس الوزراء باعتبار ذلك اعتداء على خصوصية دينية لمكون أساس في المجتع، يسكت مستبطناً الرضا، ويستمر في التشجيع محدثاً أحدهم: "عندكم رياييل، ولازم تشتغلون وتتحملون المسؤولية. كلنا وياكم. بس في نفس الوقت نبيكم تمسكون بعض الأمور". 

فزعة لوحات الكراهية

في 28 مارس 2011 وبعد فض الاعتصام وهدم الدوار وفرض الأحكام العرفية، يلتقي رئيس الوزراء بأقلام السلطة التي عملت على (إفزاع) الشارع السنّي ضد المعتصمين في دوار اللؤلؤة باعتبارها استهدافاً طائفياً. وجه رئيس الوزراء شكره الخاص إلى هذه الأقلام على فزعتها، وقال مهدّداً من شاركوا في الاحتجاجات مطالبين بإقالته: "لن نقول عفا الله عما سلف". هذه العبارة شجّعت على المزيد من الردح في حفلة زار هي الأكثر انحطاطاً في تاريخ الإعلام البحريني، واستدعت (فزعة) لوحات الكراهية التي غطت معظم شوارع البحرين في سابقة هي الأولى من نوعها، تحمل عبارة رئيس الوزراء السابقة، مشفوعة بصور المشانق والسيوف، ومطالبة بإعدام المحتجين وإنزال أشد العقوبات عليهم. 

دينار

فزعة التجار

في 30 مارس 2011، التقى رئيس الوزراء مجموعة من رجال الأعمال والتجار والمستثمرين، وأعلن حرب التجويع على كل المعارضين وكل من لم يعلن موقفا موالياً له باسم الولاء للوطن: "سنعيد النظر في أمور عدة منها أن يكون الولاء للوطن معيارا، فالأولوية في الاستفادة من خيرات الوطن ينبغي أن تكون للموالين له، وأن هناك معايير عدة قبل هذه الأزمة ينبغي أن تراجع بعدها". وأضاف "لن ننسى ما حيينا من حاول إيصال الوطن إلى الهاوية ومن تخاذل وتردد في التعبير عن موقفه". سينتج عن هذه (الفزعة) استهداف التجار (الشيعة) واقالتهم من مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة ومقاطعة واسعة للتجار الشيعة واستهدافهم. 

فزعة المجلس الوطني

ما سبق، كان نماذج لفزعات رئيس الوزراء في 2011. عامان ونصف من الضربات الأمنية والفزعات الشعبية لم تكسر إرادة الشعب الذي لا يزال متمسكاً بمطالبه، ولا يزال على رأس مطالبه إقالة رئيس الوزراء من منصبه وحل حكومته. 

ثمة تسريبات عن الضغط (الدولي) باتجاه إقالة رئيس الوزراء، تتبعها حملة تفجيرات مشبوهة تستهدف مناطق (سنيّة) دون إصابات خلال شهر يوليو 2013، تتبعها فزعة جديدة تم تحريكها بعقد جلسة طارئة للمجلس الوطني لإصدار توصيات ضد فئة من الشعب باسم مواجهة الارهاب. تمت الجلسة في 28 يوليو 2013 وأصدرت توصيات تطلق يد السلطة في قمع المعارضة. يقرها الملك على الفور. يحملها رئيس الوزراء تحت بشته مسروراً ويذهب بها كل مكان مهدداً ومتوعداً وداعياً للفزعة الجديدة باسم (مواجهة الارهاب).

فزعة التوصيات..

في 31 يوليو يزور رئيس الوزراء مقر السلطة التشريعية في 31 يوليو 2013، شاكراً للمجلسين (المعين وشبه المنتخب)، استجابتهما لـ (فزعة) الجلسة الطارئة في 28 يوليو، وإصدارهما للتوصيات المطلوبة، بتفويض الملك لإحكام قبضته الأمنية على طائفة من الشعب. ثم راح يهدّد من جهة الفزعة ذاتها: "من لا يستطع في الحكومة تحقيق هذه التوصيات واقعاً سنقول له شكراً، فهناك الكثير من أبناء الوطن من يتطلع إلى ذلك". 

في اليوم نفسه، يزور وزارة الداخلية، يلتقى خلالها بكبار الضباط بالوزارة ورؤساء الأجهزة الأمنية فيها، يحمل لهم بشائر الدعم الرسمي المطلق، وتوسيع الصلاحيات، وبسط اليد للضرب على الشعب بيد من حديد، يحمل معه ما أحرزه من توصيات مجلس السلطة المسمّى بالمجلس الوطني، باعتبارها (فزعة) الشعب: "إننا اليوم أمام توصيات شعب ويجب أن تنفذ لحفظ النظام وتطبيق القانون على كل مخالف له".

يا تجار البحرين: افزعوا

بعدها بأيام فقط، يحمل بشت فزعته إلى بيت التجار في 1 أغسطس 2013، محرّضاً كبار التجار والمستثمرين: " افزعوا لتجارتكم واحموها بالوقوف جنبا إلى جنب مع الحكومة في تنفيذها لتوصيات المجلس الوطني فهناك من يسعى من خلال أعمال العنف والإرهاب إلى زعزعة الاستقرار، والإضرار بالاقتصاد الذي لن تتأثر به الحكومة فحسب بل سيطال تأثيره القطاع التجاري، مما يستدعي أن يكون صوتكم عالياً في رفض العنف والإرهاب". 

يا تجمع الفاتح: افزعوا مجدداً

وفي 6 أغسطس 2013، يزور رئيس الوزراء مقر تجمع الوحدة الوطنية، حاملاً حجة التوصيات ذاتها، محرّضاً على تجديد فزعة الكراهية التي أسّس لها في 2011 باسم الاختطاف الطائفي والتآمر مع الخارج. يحرّض قيادات التجمع "مثلما فزعتم لوطنكم لمنع اختطافه (يعني في 2011)، أفزعوا اليوم لوقف الإرهاب بالتضامن مع الحكومة في خطواتها لمكافحة الإرهاب وتشديد العقوبات لحماية المجتمع من بؤر الإرهاب والمحرضين عليه بتنفيذ توصيات المجلس الوطني".

لا تنتهي فزعات رئيس الوزراء، ولا تنتهي تحريضاته على الكراهية واستهداف فئة من الشعب، ولا ينتهي استغلاله الفزعة باسم الوطن من أجل الإبقاء على الكرسي، فما بين الفزعتين، مسافة من مروءة أو وضاعة.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus