التعليق السياسي: أحرقهم كلهم...Burn them all

2017-05-24 - 3:27 م

مرآة البحرين (خاص): لم يكن الدم قادرا دائما عبر التاريخ على هزيمة السيف، مراراً  ثبّت السيف طغاةً على عروشهم، كما ساعد كثيراً منهم على الإفلات من العقاب على جرائمهم،  بيد أن دماء الضحايا ظلت تُرعب حاملي السيوف. لهذا تجدهم يمعنون في معاداة كل من يعمل على إبقاء رواية الضحايا حيّة، فالحقيقة وحدها هي الشبح الذي يطارد القاتل. رواية الضحية  تُبطل سعي الجريمة الدائم نحو الاكتمال عبر محو آثارها.

لذا فإن رواية شهداء «ساحة الفداء» بحسب تسمية المعتصمين في بلدة الدراز، هي الرواية التي سيرفعها الشعب كالرمح للطاغية كلما أوغل في الدم والاستباحة.

صور شهداء ساحة الفداء، قرارهم الذي جاء بملء إرادتهم ووعيهم، بلحمهم الذي فراه سيف الطاغية ورصاصه، بأحاديثهم الأخيرة، بوعدهم الصادق، بالتضحية بدمائهم، وبسلميتهم التي لازمتها شجاعة نادرة، شجاعة قد يعجب لها من لم يسمع بمعادلة انتصار الدم على السيف.

في مسرحيته الأخيرة «ماكبث»، يشرح شكسبير نفسيّة الطاغية الذي بدأ حكمه بالقتل والدم، فصار عطشه للدماء لا يرتوي، واستلاب الحياة متعته الوحيدة.

مثله هنا ملك ظل يحلم طوال حياته أن يصبح قائداً عسكرياً عظيماً، لكنه كان حلماً مليئا بالخيبة، رغم امتلاء صدره بالنياشين، لم يثق بأحد، خوفه المتعاظم وشكّه المرضيّان لا يهدئان، لذا فإن ثقة الشعب الذي حمله على أكتافه فرحاً بعهده واستبشاراً به، قابلها بخطة لاستبداله، مكر بالمواثيق التي أعطاها لهم، وكذب كما لم يكذب أحد من قبله.

ربما صدفة، بدأ القتل الأول في عهده عند أسوار السفارة الأمريكية، قتلت قواته الشهيد محمد جمعة الشاخوري في مسيرة احتجاجية في العام 2002، وتلاه الشهيد علي جاسم في 17 ديسمبر عيد الشهداء في العام 2007.

يؤمن بالقوّة، يحسب قتل الفقراء المسالمين انتصارات عسكرية، صار من أشهر سفّاكي الدماء ومنتهكي الحرمات.  يقتل، ثم يحتفل بالاستماع لقصائد نبطية  مليئة بالنفاق تترنم ببطولاته.

صار الملك  شبيها  ب «إيريس الثاني» من آل تارجاريان الذي لُقّب بالملك المجنون في رواية الجليد والنار المعروفة عالميًا. حين قامت الثورة عليه، ورأى الملك المجنون أنه سيخسر المدينة إستدعى الكيميائي الخاص به وأخبرهبأن يشعل النار في كامل المدينة باستخدام «النيران المسعورة»، وهي المادة التي أمر «إيريس» الكيميائيين بتصنيعها بكميات كبيرة، وكان «الحرق» هو الأسلوب المفضل لديه لقتل من يخالفه.

في آخر أيامه كان الملك المجنون يمشي ويصرخ: Burn them all.

الملك المجنون أمره واحد: احرقهم كلهم.  

لكن رغم أنه يبدو مسيطرا باطشا، لا يحتاج الأمر كثيراً لتكتشف مدى ذعر الطاغية وهشاشته،  وكما يقال فإن الحياة لا تصبح كما كانت من قبل للذين يحطمون الحياة، تصبح رواية الضحية وصوتها وصورتها هي من تهزمه وتقتله.

على خشبة مسرح شكسبير، هزم الدمُ السيف، فلحقت بـ(ماكبث) الهزيمة، بعد أن «خطا في الدم بعيدا، وأصبح النكوص عن الدم مرهقا، مثل المضي فيه». كان ماكبث يعلم، في قرارة نفسه، أن « الدمَ يطلبُ الدم».

وهكذا رأى الطاغية اعتصام الدراز الذي تكثف فيه كل شيء منذ 14 فبراير 2011، تكثفت فيه صور الشهداء والضحايا الذين قتلهم، المصابين الذين فقأ أعينهم، النساء اللواتي رمّلهن، الأطفال الذين أيتمهم، الرجال الذين سجنهم، الجنسيات اللاتي سحبها، الجلود التي سلخها.  صرخ المجنون: Burn them all.

ليس في الأمر ثمة رومانسية، لكن انتصار الدم على السيف لا يأتي إلا حين يغادر كل فرد من أفراد الشعب مقاعد المتفرجين، ليكتبوا تاريخاً ونصًا جديداً لا يصنع طغاةً، ولا يتيح للطغاة القدامى نهاية سهلة، يفلتون بها من الحساب، بهذا وحده، ينتصر الدمُ على السيف ويهزمه.

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus