"مرآة البحرين" تحاور البروفيسور إميل نخلة: لم يكن إصلاحيّاً ولا مستنيراً في أيّ يوم (الملك البحرينيّ حمد بن عيسى آل خليفة)

إميل نخلة: افتتن الملك حمد بزخارف السلطة وتجنب الدخول في عملية سياسية حقيقيّة
إميل نخلة: افتتن الملك حمد بزخارف السلطة وتجنب الدخول في عملية سياسية حقيقيّة

2019-03-06 - 10:13 ص

مرآة البحرين (خاص): بعد عقديْن من جلوسه على العرش تبدو البحرين جُثّة مجرّحة في انتظار مخلّص. خلال العام الذي تسلّم  فيه الملك حمد بن عيسى آل خليفة مقاليد الحكم 1999 كان الدين العام للبلاد يراوح في حدود 370 مليون دولار. أما اليوم فهو يلامس 30 مليار دولار، بحسب أحدث بيانات مصرف البحرين المركزيّ.

كما أن كثيراً من موازنة البلاد غدا يذهب إلى التسلّح. وتقول دراسة أصدرتها مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" خلال شهر فبراير/ شباط 2019 إن المشتريات العسكرية للبحرين من الولايات المتحدة وحدها قد فاقت 6 مليارات دولار خلال العامين الأخيرين.

وتوّج الملك حمد سنوات حكمه العشرين بخصومة عميقة مع الطائفة الشيعية ومع زعمائها وقادتها. أعاد النشطاء السياسيين إلى السجون أو المنافي بأعداد تفوق أضعافاً مضاعفة أولئك الذين أَطلق سراحهم أو أعادهم في أوّليات حكمه. كما أَغلق جمعيّات المعارضة الإسلامية واليسارية على السواء، والصّحيفة المستقلّة الوحيدة الّتي صارعت من أجل البقاء مراهنة على مشروعِه. ثم أطلق الأمن في كل مكان يحصي على الناس أنفاسهم بشكل  تظهر فيه سنوات أمن الدّولة مجرّد بروڤة لطيفة.

وأضاف أساليب سلطويّة جديدة لم تكن معهودة من قبل عبر تسليم قرار البلاد إلى السعوديّة وتجريد مئات المواطنين من الجنسية ومنحها لآلاف الأجانب ضمن سياسة ممنهجة تستهدف تغيير ديمغرافيّة البلاد المركّبة. لا شيء يمكن أن يصف كلّ هذا غير تلك المقولة التي استعارها الملك نفسه من ناظم حكمت في سنيّ حكمه الأولى "أجمل الأيام تلك التي لم نعشها بعد". على أنها فقط غدَت أياماً بالغة المرار  مفتوحة على مستقبل مجهول، بلا أمل.

"لا أعتقد أن الملك كان في أي وقت مضى مُصلحًا ملتزمًا أو زعيمًا مستنيرًا. وكانت النتيجة الملموسة الوحيدة لبرنامج الإصلاح الذي طرحه بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني (2001 -2002)، هي تغيير  لقبه من أمير إلى ملك". هذا ما يراه د. إميل نخلة البروفيسور في جامعة "نيو مكسيكو"، وضابط المخابرات السابق في "سي آي إيه" الذي سبق له أن ألّف كتاباً حول التطور السياسي في البحرين. ويقول "فيما وُعِدَتْ البحرين في عهد الأمير الراحل [عيسى بن سلمان آل خليفة] بأن تكون «المدينة المشرقة على التل»، فإنها في ظل حكم الملك حمد، قد تحولت إلى مكان مظلم ممزّق بسبب العنف وعدم التسامح والطغيان والقمع"، على حد تعبيره.

"مرآة البحرين" حاولت مراجعة أبرز المحطّات في عهد الملك حمد في مناسبة مرور عقدين على تسلمه مقاليد الحكم والتي تصادف اليوم 6 مارس/ آذار، مع البروفيسور إميل نخلة، فكان لها معه هذا الحوار:

مرآة البحرين: كانت لديك تجربة غنية في البحرين خلال فترة حكم الأمير الرّاحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، والد الملك البحريني الحالي أسفرت عن إصدارك كتاباً حول التطوّر السياسي في البحرين. برأيك؛ ما الذي كان من الممكن للملك حمد بن عيسى آل خليفة أن يستفيد منه من تجربة والده في الحكم ويتفادَى الوقوع فيه؟

د. إميل نخلة: خلال إقامتي في البحرين كأول باحث أمريكي كبير في برنامج "فولبرايت" للأبحاث في البحرين (1972-1973)، تشرفت بلقاء الحاكم الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وأول شخص يحكم البلاد بعد أن نالت الاستقلال في العام 1971. التقيت أيضًا بالعديد من كبار أعضاء العائلة الحاكمة. أنشأ الشيخ عيسى المجلس التأسيسي لوضع دستور للدولة الجديدة التي أعلن عنها الأمير في ديسمبر/ كانون الأول 1973. على الرغم من الطبيعة "المشيخية" للنظام ذي الأقلية السنية، جسّد الدستور الجديد مبادئ تكافؤ الفرص في ظل القانون والاعتدال والتوافق وحقوق الإنسان واحترام الأغلبية الشيعية. خدم أعضاء بارزون من الأغلبية الشيعية في المجلس التأسيسي (سواء منتخبين أو معينين) وشاركوا في صياغة الدستور. منذ الاستقلال قبل 48 سنة، تبدو الفترة بين 1972 و 1974 على أنها "العصر الذهبي" للبحرين الحديثة، بفضل القيادة الحكيمة للأمير الراحل. الملك حمد، وهو ابن الأمير عيسى، فشل في تعلم أي دروس في الحكم من والده، ما يدعو إلى الأسف من أجل البحرين وشعبها. كره الأمير عيسى الطائفية وآمن أن مثل هذه الانقسامات داخل المجتمع ستقوض سلامة وأمن البحرين. لقد آمن حقًا، استنادًا إلى  عدد من الأحاديث التي أجريتها معه، بأن الانسجام الاجتماعي الداخلي من خلال الحوار المستمر بين السنة والشيعة سيساعد على جعل البحرين "لؤلؤة الخليج" و"المدينة المضيئة على التل". ومن خلال التعليم والموهبة والتجارة والحنكة والعلاقات الودية مع جيرانها، يمكن للبحرين أن تصبح مركزًا للحداثة في الخليج، ومثالًا يُحتَذى به.

لكن منذ اعتلائه العرش، وعلى النقيض [من أفكار والده]، روّج الملك حمد للطّائفية، واستخدم الانشقاقات داخل بلاده لتعزيز قبضته على السلطة. ومكّن عمه الشيخ خليفة بن سلمان ـــ صاحب أطول فترة خدمة كرئيس غير منتخب للوزراء في العالم ـــ من الحكم من خلال عداء الأغلبية الشيعية وتبنّي الموقف السعودي تجاهها. وتحت حكم خليفة وغيره من المعادين للشيعة في العائلة الحاكمة، انقسم المجتمع البحريني. يتم انتهاك حقوق الإنسان وفقًا للأهواء، وقد تمّ سجن آلاف المتظاهرين السلميين، وتعذيبهم، والحكم عليهم بالإعدام أو السجن مدى الحياة من خلال اعتقالات غير قانونية ومحاكمات زائفة. وفي حين كانت البحرين خالية نسبيًا من الهيمنة السعودية في عهد عيسى، على الأقل في السبعينات، أصبحت، تحت حكم حمد وخليفة، دولة  بالوساطة عن السعودية - سياسيًا واقتصاديًا. جعل عيسى من البحرين إمارة فخورة وجاذبة في حين يحكم حمد واحدة من ممالك الموز المُهَمّشة التي تدور بالكامل في المدار السعودي.

 

ـــ من اليمين ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة ووالده عيسى بن سلمان آل خليفة (أرشيفية)

 

"المرآة": هل التقيت بالملك الحالي خلال السنة الدراسية التي أقمت فيها في البحرين (كان وليًا للعهد آنذاك). هل تشكّلت لديك أي انطباعات عنه في تلك الفترة؟ وما الذي استنتجته مما كان يُقال عنه أو يُهمس به أثناء زياراتك للمجالس أو في لقاءاتك؟

نخلة: بعد انصرام نصف فترة إقامتي في البحرين، عاد ولي العهد [آنذاك] الأمير  حمد بن عيسى من دورة عسكرية استمرّت سنة في كلية القيادة والأركان العامة للجيش الأمريكي في "فورت ليفنوورث" بولاية كنساس. التقيت به بعد عودته بفترة قصيرة، وقدّمت نفسي إليه، وأطلعته بشكل موجز على برنامج "فولبرايت". أوضحت له أنني أعمل على تأليف كتاب عن بناء البحرين الحديثة ومستقبلها في المنطقة. لكن باعتباره شابًا نسبياً، فقد كان حمد يفتقر إلى المعرفة العميقة بالحكم والسياسة الوطنية. استسلم لأبيه وعمه. أذكر أنه كان مفتونًا بالملك الأردني حسين بن طلال وأراد أن يحاكيه في قيادة السيارات السريعة والطائرات العسكرية. عندما قال في إحدى المرات إنه يريد بناء سلاح جو بحريني، قلت له: "شيخ حمد، لماذا تحتاج إلى سلاح جوي؟ في كل مرة تقلع فيها طائراتك الخاصة، تحتاج إلى إذن من الدول المجاورة للطيران في مجالها الجوي؟".  لقد افتتن بزخارف السلطة لكنه تجنب الدخول في العملية السياسية. أدار والده وعمه في معظم الأحيان ظهرهما. ولعل هذا هو السبب في أنّ قرار "الإصلاح" الرئيس الأول الذي قام به مباشرة بعد أن أصبح أميرًا للبحرين، في أعقاب وفاة والده، كان تغيير الإمارة إلى نظام ملكي و[تغيير] لقبه من أمير إلى ملك. برأيه، المملكة أكثر رقيًا من "الإمارة". اعتقد بسذاجة أنه سيصبح "ملكًا دستوريًا"، مثل الملكة "إليزابيث" ملكة المملكة المتحدة، على سبيل المثال. وبعيداً عن كونه ملكًا من هذا النّوع، فقد أصدر عددًا من القوانين "الإرهابية" الجديدة التي تهدف إلى تقويض معظم مبادئ حقوق الإنسان في دستور والده. في البداية، أشرك الملك حمد ابنه ولي العهد الأمير سلمان في شؤون الدولة، ولكن مع تزايد الصراعات الداخلية بسبب توسع نظام القمع ضد المعارضين والمتظاهرين، أصبح سلمان مهشمًا وتعثرت جهوده في المصالحة مع الغالبية الشيعية.

"المرآة": يبدو أن اهتمامات الملك حمد في تلك الفترة تتشابه مع اهتمامات ابنه سلمان وليّ العهد اليوم؛ السيّارات، الطائرات. ورغم تصوير الأخير في الغرب كشخص معتدل إلا أنّ الحقيقة هي أنه كان أحد أكبر المتحمّسين في العائلة الحاكمة لإزاحة الشيخ علي سلمان من المشهد السياسي وسجنه، كما نقل عنه ذلك كثير من المقربين منه. ماذا على وليّ العهد أن يتعلّمه من والده ما لم يستطع الأخير تعلمه من والده حتّى لا يعيد التاريخ نفسه؟

نخلة: ما دامت عائلة آل خليفة الحاكمة عازمة على الحكم بالقوة والقمع والفوز من دون النظر في الاعتبار إلى استشارة غالبية السكان ـــ الشيعة والسنة ـــ، أو السماح للأغلبية بأن يكون لها دور في المشاركة في صنع القرار الحالي، ليس مُقَدرًا أن يتعلم ولي العهد من والده أي دروس مختلفة عن ممارسات والده الملك حمد. من الممكن أن يتخذ ولي العهد الأمير سلمان نهجًا مختلفًا وأكثر تصالحًا تجاه الشعب البحريني فقط في حال ترك رئيس الوزراء خليفة ومؤيديه من الجماعات المعادية للشيعة مركز السلطة. يجب أن يكون لدى سلمان الشجاعة أيضًا للوقوف في وجه الأسياد السعوديين وإقناع المملكة العربية السعودية بسحب قواتها من البحرين. وهذا أيضًا لا يمكن أن يحدث إلا بعد تولي إدارة جديدة، بديلة للرئيس [الأمريكي دونالد] ترامب، السلطة في العاصمة واشنطن. لقد تم إقناع حمد وعمه رئيس الوزراء، وعلى الأرجح هما مقتنعان، بأنه من شأن  إبعاد الشيخ علي سلمان عن المشهد السياسي تثبيط عزيمة مناصريه، وفي النهاية إسكاتهم. حمد وخليفة جاهلان للغاية كي يدركا بأنّ قتل الرسول لا يقتل الرسالة. في هذه الحالة، الرسالة الإصلاحية بسيطة: أوقفوا التعذيب، والاعتقالات غير القانونية، والمحاكمات الزائفة، والإدانات، وقمع الشعب البحريني. بمجرد انتخاب الشعب الأميركي لإدارة جديدة لن يعود آل خليفة قادرين على الشعور بتمكينهم من اضطهاد مواطنيهم من دون مساءلة، كما يرغبون.

"المرآة": تسلم الملك مقاليد الحكم العام 1999 وكانت البلاد تكابد في أزمة مستعصية. وها هو بعد عشرين عاما يقود البلاد في غمار أزمة مستعصية أخرى مستمرة منذ العام 2011. لقد خرج من أزمة تبدو أصغر إلى أزمة أشدّ وأطول. هل كانت لدى الملك رؤية إصلاحيّة فعلاً؛ ثمّ تخلّى عنها في وقت لاحق بعد أن اصطدم بالعديد من العوائق؟

نخلة: لا أعتقد أن الملك كان في أي وقت مضى مُصلحًا ملتزمًا أو زعيمًا مستنيرًا. وكانت النتيجة الملموسة الوحيدة لبرنامج "الإصلاح" الذي اتبعه بعد التصويت على واعتماد ميثاق العمل الوطني (2001 -2002)، هي تغيير  لقبه من أمير إلى ملك. وكما استنتج تقرير اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق الذي أشرف عليه [القاضي محمود شريف] بسيوني في العام 2011، فقد كانت معظم سياسات حمد تجاه حركة الاحتجاج ـــ السنية والشيعية ـــ غير دستورية، وتستند إلى ممارسات غير قانونية، وانتهاكات متسلسلة لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من قبول حمد لتوصيات بسيوني، لا يوجد دليل على أنّه نفذ أيًا من التوصيات المركزية. في واقع الأمر، فهو قد تجاهل توصيات لجنة التحقيق واختار اتباع نهج عمه والسعوديين. منذ البداية، لم تهدف القوات السعودية في البحرين إلى تعزيز الاستقرار في البلاد أو المساعدة على تعزيز الانسجام الداخلي. كان هدفها، ولا يزال، إخضاع الشيعة، وإفشال [جمعية] الوفاق [الوطني الإسلامية]، والقضاء على زعمائها.

"المرآة": بعض مستشاري الملك حمد كانوا يهمسون باستمرار خلال سنوات حكمه الأولى في لقاءاتهم مع أفراد المعارضة بأنّ وجود عمّه الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة ـــ وهو من إرث والده ـــ هو العائق الذي يقف أمامه للقيام بالمزيد من الإصلاحات. فهو يمثل حجر زاوية في التوازنات العائلية؛ إلى جانب أن بقاءه كان يمثّل رغبة خليجيّة - سعوديّة. في ظلّ هذه الظّروف؛ هل كان بيد الملك فعلاً القيام بخطوة أكبر إزاء عمّه كإزاحته مثلاً؟

نخلة: بعد تولي الملك حمد منصبه وإطلاقه مشروع "الإصلاح"، كتبت في تلك الفترة بأنه لا يمكن تحقيق أي إصلاح حقيقي مع بقاء عمه في السلطة. دعوته آنئذ إلى إزاحة الشيخ خليفة، ولكن دون جدوى. تعود معارضة خليفة للإصلاح الحقيقي إلى الفترة التي تحدث فيها الأمير السابق الشيخ عيسى عن جلب الباحث القانوني المصري عثمان خليل عثمان من الكويت لتقديم مشورة حول كتابة دستور لدولة البحرين المستقلة حديثًا. لقد كتبت عن العملية في كتابي عن البحرين، وذكرت أن رئيس الوزراء خليفة، شقيق الأمير [عيسى]، اعترض بشدة على العملية الدستورية. كان مدعومًا من قبل عدد قليل من كبار السن داخل العائلة الحاكمة، بمن في ذلك وزير الأوقاف الشيخ عبد الله [بن خالد آل خليفة]. كنت محظوظًا لتمكني من إجراء محادثات بشكل فردي في ذلك الوقت مع الأمير، والعالم القانوني المصريّ، والشيخ عبد الله وكذلك مع الشيخ خليفة. عندما سألت خليفة وعبد الله بشكل منفصل عن سبب اعتراضهما على الدستور، قالا لي إنهما يريان أنّ تأسيس دستور يضمن الحقوق والحريات سيشجع المواطن العادي على التشكيك في حكم آل خليفة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالميزانية العامّة التي اعتبراها بشكل ساذج مقدسة،  ويجب ألا تكون مفتوحة للنقاش أو الموافقة العامة. ما كان يثير قلق خليفة ليس الميزانية الشخصية للأمير بل ممارساته المالية الشخصية الفاسدة. كانت هذه الممارسات معروفة بين رجال الأعمال البحرينيين. لقد قبل رجال الأعمال البحرينيون حقيقة أنه من أجل القيام بأعمال تجارية في البحرين، مثل مشروع تطوير كبير أو صفقة، يجب أن يكون لخليفة نسبة فيها. ما اختلفوا بشأنه هو فقط الاسم الذي كانوا سيطلقونه عليه: السيد 10 % ، أو 25 % ، أو 50 %. كما امتد اعتراض خليفة إلى وجود الأسطول البحري الأمريكي في ميناء سلمان في الجفير واتفاقية التفاهم بين البلدين حول مثل هذا الوجود. وبمجرد أن بدأت جلسات المجلس التشريعي، وأصبحت النقاشات الدستورية أكثر حيوية، أصبح خليفة أكثر انفعالًا. حضرت جميع الجلسات بصفتي باحثًا في برنامج "فولبرايت". نظراً لكون اهتمامي ينصب على إنشاء الدولة البحرينية الجديدة، فقد شكّل حضور جلسات المجلس أمرًا أساسيًا في بحثي. عقدت صداقات وثيقة مع العديد من أعضاء المجلس، وخاصة الراحل جاسم مراد وعدد قليل من زملائه ـــ من السنة والشيعة على السواء ـــ، وكثيرًا ما التقينا في نادي العربي بالمحرق. لم يحب خليفة ارتباطي مع جاسم وزملائه واتهمني، زورًا، بمدّهم بالأفكار. اتصل كذلك بالسفير الأمريكي في الكويت وهدده بإعلاني "شخصًا غير مرغوب به"  كما هددني شخصيّاً بترحيلي من البلاد. واجهت خليفة وأخبرته أن تلك كانت تهمًا زائفة بناء على أقوال وصلته، وقلت له إنه يجب أن يكون محظوظًا لأن المجلس يضم مجموعة ذكية من البحرينيين! لم يكونوا بحاجة لي أو لأي شخص آخر لمدّهم بالأفكارا! أخبرته أنني في الواقع كنت أتعلم منهم، وأن كتابي المقبل عن البحرين سيستمد أفكارهم ورؤيتهم المستقبلية للبحرين. لم أخضع لتهديدات خليفة وبقيت في البلاد حتى نهاية الفترة المخصصة لي مدة عام أكاديمي كامل. الخلاصة هي أنه إذا بقي خليفة في السلطة، لا ينبغي لأحد أن يتوقع أي إصلاح حقيقي بغض النظر عمن سيكون الملك أو ولي العهد.

 

ـــ أصبحت البحرين تحت حكم الملك حمد دولة بالوساطة عن السعودية بينما لم يكن الحال كذلك خلال عهد والده  (إميل نخلة)

 

"المرآة": لقد سعى الملك إلى سحب العديد من الصلاحيات من عمّه كالملفّ الاقتصادي مثلًا، وتسليمه لابنه ولي العهد الشيخ سلمان ضمن سلسلة من الخطوات سبقت أزمة العام 2011. كما قام لاحقًا بإدخال الأخير إلى مجلس الوزراء كنائب للمجلس. لكن على ما يبدو فإن مشكلة البلاد أعمق من ذلك بكثير؛ يعزوها البعض إلى الملك نفسه. فهل أخفقنا في تصوّر مسئوليته مبكرًا؟

نخلة: من خلال منحه سلطات ومواقع جديدة لابنه ولي العهد، ركّز حمد على إيجاد توازن موازٍ لسلطة عمّه ونفوذه. لم ينجح هذا النهج، كما اكتشف حمد لاحقًا. لم ينجح لأنّ معارضة القيام بإصلاح حقيقي [في البلاد] وأي تعامل مع المجتمع الشيعي قد تجاوز خليفة إلى مجموعة صاعدة هي "الخوالد" المتمركزة داخل وزارة العدل، والجيش، والديوان الأميري والذين كانوا معادين للشيعة. خسر نظام آل خليفة فرصة ذهبية للعمل عن كثب مع الأغلبية الشيعية وإشراك الشعب وممثليه في عملية الحكم. إذا كان حمد وسلمان مهتمين بإعادة إنشاء البحرين كدولة مستنيرة تحكمها العائلة في الخليج، فعليهما القيام بالتنظيف أوّلاً داخل العائلة. لقد حان الوقت لكي يترك خليفة المشهد، ولكي ينتهي فساده وقمعه. لسوء حظ شعب البحرين، فإن هذه الخطوة ستواجه عقبات كبيرة، وربما عصية، بسبب الموقع الرّاسخ لخليفة ومؤيديه في السّلطة، وسياسات المملكة العربية السعودية المعادية للشيعة، إضافة إلى عدم وجود التزام حقيقي من جانب حمد.

"المرآة": بلغت السياسات الطائفية ذروتها في عهد الملك حمد؛ ووصل العداء للشيعة البحارنة مستوىً لم يكن معهوداً حتّى خلال فترة حكم والده والتي مثلت الفترة الذهبية أيضاً لسيطرة عمه الشيخ خليفة. لكنّ هذا العداء لم يكن بادياً بوضوح خلال السنوات الأولى من ميثاق العمل الوطنيّ. لقد بدأت معالمه تتّضح مع العام 2006 مع فضيحة المستشار السودانيّ السابق د. صلاح البندر. وأخذ الأمر في التضخم تدريجيّاً إلى أن انفجرت الأوضاع في العام 2011. ما الّذي غيّر الملك برأيك أو ما هو مصدر هذا العداء؟

نخلة: يصحّ تماماً القول إن الطائفية الدينية قد وصلت في ظل حكم حمد إلى مستوى لم تصل له في عهد الأمير السابق الشيخ عيسى، والد الملك. وقد تمّ تصعيد المستوى الجديد من الطائفية الشريرة، إلى حد كبير، من قبل عم الملك رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان، وأنصاره الذين أطلق عليهم "الخوالد" داخل العائلة الحاكمة. من ناحية، شعر حمد بالعجز في مواجهة الكتلة القوية المعادية للشيعة المتمركزة داخل الأسرة المالكة. ومن ناحية أخرى، فقد ارتأى تحمّل الطائفية المتنامية، كثمن، للتمتع بزخارف السلطة كملك. لقد حصل على دعم شعبي هائل لصالح ميثاق العمل الوطني. وعقد الناس الآمال على ما سمّي بمشروع حمد الإصلاحي. لكنّ حمد رأى بشكل خاطئ أن التصويت الإيجابي يمثل تأييدًا لسياسات العائلة الحاكمة. مثل هذا التفسير الخاطئ قاده إلى الاعتقاد ـــ وهو اعتقاد روج له خليفة والخوالد ـــ بأن المواطن البحريني العادي كان أكثر اهتمامًا بالاستقرار الداخلي تحت حكم آل خليفة منه بالإصلاح الحقيقي. وبالطبع، فإن حركة الاحتجاج التي عادت لتنشط بدءاً من العام 2002 وما بعده، والمواجهة مع النظام خلال الربيع العربي في العام 2011 وما بعده، أظهرتا بوضوح ضعف حكم حمد. لا  يبدو أن الملك حمد، ولا ابنه ولي العهد الأمير سلمان، عازمان على القيام بأي شيء حيال الدفع بعمليّة العنف عبر المرتزقة المجلوبين من السودان والأماكن الأخرى، وحيال الاستخدام الكبير للقوة من قبل القوات السعودية الغازية، إضافة إلى القمع والتعذيب اللذين تعرض لهما المواطنون من قبل قوات الأمن. لا يوجد دليل يشير إلى أن حمد كان مهتمًا حقًا بالإصلاح.

"المرآة": لقد حاز الملك على شعبيّة كبيرة من خلال النسبة الكبيرة 98.4 % التي حصل عليها الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني العام 2001 وكان يمكن له الاستثمار في هذا الرأسمال الرّمزي لوحده. فماذا كانت حاجته إلى المجيء بجناح آخر إلى المشهد كالخوالد وجعلهم يشاركونه في الحكم. كيف اقتنع برؤيتهم؟

نخلة: هناك رأيان بشأن هذه النقطة: أولًا، لم يكن حمد ملتزمًا حقًا بالإصلاح الحقيقي لأنّ كل ما تأتّى عن ميثاق العمل الوطني، بخلاف تغيير اسم البلد من إمارة إلى ملكية، وتغيير لقب حمد من أمير إلى ملك، قد كان سطحيًا من ناحية الجوهر خالٍ من سياسات إصلاح محدّدة تفضي إلى حماية الحريات القانونية وحقوق المواطنين. الرأي الآخر هو أن حمد كان عاجزًا في وجه الجهود المتضافرة التي بذلها خليفة والخوالد من أجل إحباط جميع السياسات التي دعت إلى الإصلاح. بناءً على خبرتي ومتابعتي لقيادة حمد كملك للبحرين، أميل إلى دعم الرأي الأول. إن موقف حمد من الإصلاح وحقوق الأغلبية انتهازي في المقام الأول ويخلو من التزام حقيقي بتقاسم السلطة مع شعبه. عندما قال في وقت ما إن نظامه الملكي كان دستوريًا مثل النظام الملكي البريطاني، كان يجب عليه أن يدرك أن الديمقراطية الحقيقية موجودة في بريطانيا خارج نطاق سيطرة النظام الملكي وسيطرته. وفيما وُعِدَت البحرين في عهد الأمير الراحل [عيسى] بأن تكون "المدينة المشرقة على التل"، فإنها في ظل حكم الملك حمد، قد تحولت إلى مكان مظلم ممزق بسبب العنف وعدم التسامح والطغيان والقمع.

* للاطلاع على ملف "عقدان في الظلام" بصيغة pdf