البحرين ومأزق التوازن الخليجي: ماذا لو تفاقم الصراع السعودي الإماراتي؟
2026-01-20 - 4:10 م
مرآة البحرين
في 30 كانون الأول/ديسمبر 2025، أكدت وزارة الخارجية البحرينية ثقة المملكة في حكمة قيادتي السعودية والإمارات وقدرتهما على احتواء أيّ تباينات في وجهات النظر ضمن إطار البيت الخليجي الواحد، وبما ينسجم مع مبادئ مجلس التعاون لدول الخليج العربية القائمة على التضامن والتفاهم ووحدة الصف، ويخدم التطلعات المشتركة لترسيخ الأمن والاستقرار والسلام والازدهار لصالح دول المنطقة وشعوبها الشقيقة.
هذا الموقف جاء على خلفية تصاعد التوتر تصاعد بين السعودية والإمارات في اليمن مؤخرًا. حينها بدت البحرين كمن تتمنّى أن لا تقف في هذا الموقف. هناك من شبّه وضع البحرين عند حصول الاشتباك العسكري المباشر بين السعودية والإمارات وكأنها عروس لرجليْن، وليس عروسيْن لرجل واحد. لا حيلة لها، لا مخارج من المأزق التي رأت نفسها فيه، الى جانب من تقف؟ وكيف يجب أن تتصرّف؟ وأيّ مصلحة لها هي الأْولى هنا؟
أكثر من صراع نفوذ
التصادم بين الرياض وأبو ظبي يبدو في بداياته مع تصاعد الخلاف حول ملفات المنطقة. لم تعد المسألة مقتصرة على الملف اليمني، فالخلاف سرعان ما تفاقم في ملفات لبنان والسودان والقرن الأفريقي. بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية، الخلاف السعودي مع الإمارات كشف عن صراع إقليمي أعمق على النفوذ، فالرياض اتّهمت علنًا أبو ظبي بتقويض أمنها القومي.
وفق الشبكة الأمريكية، هذه اللغة تُعدّ من أشدّ ما استخدمته الرياض ضد حليفتها، وتعكس تنامي القلق السعودي إزاء السياسة الخارجية الإماراتية، وهي توترات بلغت ذروتها عندما نفّذت السعودية ضربات استهدفت شحنة مرتبطة بالإمارات في اليمن.
العديد من التحليلات الغربية ترى أن الخلاف كشف عن صراع نفوذ إقليمي أعمق بين السعودية والإمارات، حيث أصبح كل طرف يسعى لتأكيد نفوذه خارج حدود اليمن.
بناءً على ذلك، تُركّز السعودية على الحفاظ على الدولة اليمنية الموحّدة ومنع تقسيم اليمن أو ظهور كيانات انفصالية يمكن أن تُؤثر على أمنها القومي، بينما يُنظر الى الإمارات كطرف يُحاول تعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي عبر دعم فصائل محلية أو قوى غير حكومية، ما قد يفتح لها موطئ قدم في مناطق استراتيجية. هذا يعكس تحوّل الخلاف بين الجانبيْن من مجرد نزاع تكتيكي داخل التحالف ضد جماعة أنصار الله (الحوثيين) إلى منافسة نفوذ إقليمي بين القوّتين.
إضافة الى هذا، تربط التحليلات الغربية الخلاف السعودي الإماراتي بمسائل أكبر من اليمن، منها:
السودان: بعض التقارير رصدت دعمًا إماراتيًا قويًا لما يُعرف بقوات الدعم السريع في السودان، بينما السعودية تميل إلى دعم الجيش الوطني، ما يعكس اختلافًا في رؤية إدارة النزاع هناك.
القرن الأفريقي وباب المندب: السلطة على الممرات الاستراتيجية للملاحة البحرية والطاقة تستحوذ على اهتمام الطرفيْن، وهذا يُضيف عُمقًا للصراع النفوذ بينهما.
هذه الاتجاهات تُظهر أن الخلاف السعودي الإماراتي لا يتعلّق بساحة حرب واحدة، بل هو جزء من ديناميكية جيوسياسية أوسع في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
ارتباك البحرين
في كلّ المشهد، اختارت البحرين أن تُبرز موقفًا متوازنًا يدعم وحدة الصف الخليجي ويُعزّز التعاون مع كلا الدولتيْن، لكنّ الحقيقة هي أن هذا الحرص على الوقوف على الحياد نابعٌ من الخوف على مصالحها مع الشقيقتيْن.
مردّ هذا الحرص هو أن البحرين دولة صغيرة نسبيًا من حيث السكان والقدرات الاقتصادية مقارنة بجاراتها الخليجيات. ولذلك، فإن التمايز الحادّ في المواقف بين الرياض وأبوظبي قد يشكل ضغطًا كبيرًا على المنامة، التي تعتمد في جزء كبير من ميزانيتها على الدعم والاستثمارات الخليجية.
حسابات المنامة
الى جانب هذا، يمكن القول إن البحرين تجد نفسها أمام احتياجات داخلية ملحّة من بينها استقرار الميزانية، جذب الاستثمارات، وتحسين النمو الاقتصادي. والموقف المتوازن يوفّر لها فضاء للتعاون مع حلفائها الاقتصاديين والسياسيين دون الدخول في صراعات إقليمية يمكن أن تضرّ باستقرارها الداخلي.
لهذا، تضع البحرين في حساباتها، الاستثمارات الإماراتية على أراضيها كأداة دعم مالي غير مباشر، فهي تلعب دورًا مهمًا عبر الاستثمار وليس الإعانات، في القطاع العقاري (مشاريع تطوير كبرى)، وفي القطاع المالي والمصرفي، وفي البنية التحتية الاستراتيجية (المطار، الطرق، المياه).
بدورها، تُعتبر السعودية الركيزة الأساسية في برامج الدعم المالي التي أُقِرّت لإنقاذ المالية العامة البحرينية، كما أن البحرين تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من السعودية (حقل أبو سعفة)، والرياض تُتيح هذا النفط بشروط تفضيلية، ما يؤمّن موردًا ثابتًا للإيرادات، وعنصر أمان مالي طويل الأمد.
الاختبار الصعب
وعليه، لا بدّ من القول إن حسابات البحرين عند توسّع الخلاف السعودي الإماراتي سيضعها أمام اختبار صعب. ثمّة قراءة ترجّح أن تتفادى المنامة أيّ صدام علني مع أبوظبي، مقابل أن تنحاز للرياض وفق أجندتها الاستراتيجية، إذ أن الأخيرة هي الضامن المالي للبحرين، وأيّ اهتزاز اقتصادي في المملكة الصُغرى يُعالج سعوديًا قبل أيّ طرف آخر. هذا فضلًا عن أن البحرين تُعدّ جزءًا من المجال الأمني السعودي.
لكن هذا الخيار، إضافة إلى أنه مخاطرة بفقدان الدعم الإماراتي، لا يبدو محلّ توافق في دوائر العائلة الحاكمة، خصوصاً مع ملاحظة الانقسامات التاريخية بين الجناحين المعروفيْن داخل العائلة.
صحيحٌ أن البحرين تدعو صباحًا ومساءً كي لا تنفجر الأزمة مجدّدًا بين السعودية والإمارات، غير أنها تدرك جيّدًا أن هذا السيناريو كارثي إن حصل، خاصة أنها عاجزة أن تلعب دور الوسيط لضُعف وزنها السياسي، حتى وإن نقلت رسائل مُتبادلة بين الجانبيْن. لهذا، تخشى البحرين أن تصبح ساحةً لهذا الانقسام، وهي ستكون من أكثر الدول تضرّرًا من أيّ تفكّك خليجي. يبقى أن الدرس الأول والأخير الذي لن تتعلمه المنامة، هو أن الارتهان للخارج لعبة خاسرة دائماً، ولو بعد حين.
- 2026-01-19همّ الملك في اسم العام لا في أحوال الناس!
- 2026-01-19الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع تدعو الحكومة لعدم الانضمام لـ"مجلس السلام الدولي": انتداب جديد يضم سياسيين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء في غزة
- 2026-01-15هل تدرك البحرين مخاطر الحرب القادمة؟ ولماذا غابت عن جهود الشقيقات الثلاث لإقناع الإدارة الأمريكية بتجنب الخيار العسكري تجاه إيران؟
- 2026-01-08على ماذا يراهن النظام البحريني لتجاوز أزمة الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن؟
- 2026-01-07زيادة علاوة الغلاء: قراءة نقدية في كفاية الدعم وحدود الحماية الاجتماعية