طبيبٌ (آلي) ووكيلُ نيابةٍ (عبدٌ مأمور)!!
عبد الغني الخنجر - 2026-01-26 - 7:45 ص
قصتي من جديد. أكتب شذرات منها على مُكثٍ، لا لأستدر العطف أو الدمعة، وإنما لأسمعُ (جلادي) حكايتي، وأنه جزءٌ منها، وأُعلمهُ بأنها لا تنسى.
كنت هناك في (تزممارت Tazmamart) البحرين الزمان منتصف اغسطس 2010م، في ذات المبنى المليئ بالعُتمة، جهاز الأمن الوطني (سابقاً) مبنى الاستخبارات البحرينية حالياً.
كنت منهكاً، يقتلني التوتر والإعياء بعد وجبات من التعذيب البدني والنفسي في العزل الإنفرادي أو ما يعرف بالتعذيب الأبيض (White torture)، لا شيء يسمع هناك وعندما يسمع شيءٌ فهو: إما شتائم الجلاد، وإما صراخُ سجينٍ آخرَ يُعذَب.
أرتجف، بعد أيامٍ من الإجبار على الوقوف المتواصل، والحرمان من النوم، لا أرى شيء غير الظلمة، ليس لان المصابيح مطفأة، بل لأن عيناي معصوبتان بإحكامٍ، أُساقُ عنوةً نحو المسلخ.
بعد اقتيادي (للنيابة العامة) عُدتُ لذات المهجع، كان موحشاً، وبارداً، ولا أعرف فيه ليلاً من نهار، السرداب سيغدو عذابي المخيف.
فجأة يُفتح باب الزنزانة الفولاذي الضخم، أقفُ والعصابة لا تفارق عيني. حتى أسميناها لا حقاً (العروس).
يتحدث زائري، جلال (شاهدته مرة واحدة، ضخم الجثة أسمر البشرة) وهو مديرٌ لمكتب جلادي!!
جلال: بلهجة دارجة (شنو گلت لك، يوم بتروح النيابة العامة) ماذا قلت لك عند أخذك للنيابة العامة؟
أسمع صوت تصفحه لأوراق، على ما يبدو أنها أوراق إفادتي أمام (النيابة العامة).
جلال: ألم أقل لك أنه إن لم تعترف أمام وكيل النيابة بالتهم الموجهةِ لك، فإني سأقوم باغتصابك؟ ألم أقل لك بأن لا تتحدث عن ما أصابك في قبضتنا؟
قلت: لم يكن أمامي مفر من إنكار الاتهامات، وسرد ما جرى عليّ.
جلال (يصرخ في وجهي بغضب) : ولماذا لم يكن أمامك مفر؟
قلت: وكيل النيابة تجمعني به معرفة قديمة وهو ابن المحرق وأنا كذلك.
يصمت لبرهة، ثم يسأل مستغرباً : هل تعرفه حقاً؟
قلت: نعم، إنه فلان ابن فلان، وهو من طلب مني أن أتحدث عن كل شيء.
أُضيف وأنا في حال توجه قلبي لله بأن أنجو من براثن هذا الجلاد: أنا مريض وأشعر بدُوار.
جلال (يهدأ ويتحدث بهدوء): وهل أخبرت عناصر الجهاز بمرضك؟
قلت: نعم.
يتركني ويخرج.
أتنفس بعمق، تنزل دمعة شكر لله من عيني، تتسلل بحرارة من تحت عصابة العين المُحكمة.
فجأة يفتح الباب من جديد، أقف.
يدخل (إلياس)، طبيب (عراقي) أعتقد أنه بعثي، مربوع، قصير القامة.
يقيس حرارتي، ويأخذ ضغط دمي، وبصمت يخرج من الغرفة. تماماً مثل رجلٍ أليٍ يؤدي عمله دون مشاعر.
وبعد دقائق يدخل عناصر من جهاز الأمن ويأخذوني، فأجد نفسي في مستشفى وزارة الداخلية (وهو مستشفى داخل قلعة الشرطة) ورحلة الوصول إليه لا تتطلب الخروج من محيط مبني جهاز الأمن ووزارة الداخلية.
(إلياس) من جديد، أراه وجهًا لوجه وأتحدث معه، لا يُجيبني على أي سؤال، يَضع جهاز تخطيط القلب، ويعطيني بعض الأدوية عبر المغذي، ألّحُ عليه بالحديث، وأمام إصراري يُخبرني بأنه مجرد طبيب ولا ربط له بما يجري لي.
الليلةُ التي هُددت فيها بالاغتصاب كانت الأصعب، وعندما وصلت النيابة العامة كنت أمام خيارات صعبة للغاية.
الاعتراف والصمت عن سرد وقائع التعذيب الذي تعرضت له كان خياراً مطروحاً بقوة، لهول ما واجهت، وفي ذات الوقت كان هناك شيئٌ يدفعني للصمود.
أختارُ الصمود ورفض الاتهامات المفبركة بمحاولة قلب نظام الحكم بالقوة، ومعها أحد عشر اتهامًا آخر.
المفاجأة، وكيل النيابة كنت قد التقيت به سابقاً في إحدى الدورات الحقوقية، وأعرفه جيدًا، ولابد أن أعترف للإنصاف بأنه تعامل معي بشكل جيد جداً ولا أنسى ذلك.
لكنه قال لي بصدق: لا يوجد في إفادتك ما يستدعي إبقاؤك مسجونًا، لكنّي عَبدٌ مأمور، والقرار في قضيتكم لدى النائب العام علي البوعينين.