في الذكرى الخامسة عشرة للثورة : وطنٌ كُسِر عند الدوّار ولم يُجبر بعد

2026-01-31 - 12:50 م

مرآة البحرين: خمسة عشر عامًا مرّت منذ أن خرج البحرينيون إلى الشوارع في الرابع عشر من فبراير 2011، حاملين مطالب بدت في حينها بسيطة في ظاهرها، ثقيلة في معناها: إصلاح سياسي حقيقي، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، ومشاركة شعبية لا تكون مجرّد ديكور دستوري. خمسة عشر عامًا، والبحرين ما تزال تعيش في ظل تلك اللحظة، سواء اعترفت بذلك أم حاولت إنكاره.

لم تكن ثورة 2011 حدثًا عابرًا، ولا نزوة شباب متأثرين برياح الربيع العربي، بل كانت انفجارًا مؤجلًا لعقود من الاحتقان الصامت، تراكمت فيه الشكاوى، وتكاثرت فيه الوعود المؤجلة، حتى أصبح الصمت نفسه شكلًا من أشكال الاختناق.

الدوّار: حين صار الحجر أصدق من الخطاب
لم يكن دوّار اللؤلؤة مجرّد معلم معماري يتوسط العاصمة، بل تحوّل في أيام قليلة إلى قلب سياسي نابض، وإلى مساحة نادرة شعر فيها المواطن البحريني أن له حق الكلام دون خوف، وحق الحلم دون أن يُتّهم بالخيانة.
في تلك الساحة، تلاقى أبناء القرى والمدن، الفقير والموظف، الطالب والطبيب، السني والشيعي، وكلهم يشتركون في قناعة واحدة: أن الدولة التي لا تسمع أبناءها تُهيئ الظروف لانفجارهم، ولو بعد حين.
كان الدوّار صورة لوطنٍ ممكن، وطنٍ لم يولد بعد، لكن الناس لمّحوا ملامحه في النقاشات الليلية، وفي الخيام، وفي الشعارات، وفي دموع الأمهات التي امتزجت بالأمل قبل أن تمتزج بالدم.

الخميس الدامي: حين أعلنت الدولة لغة واحدة
جاء فجر السابع عشر من فبراير ليُسقط آخر أوهام البراءة السياسية. هجوم على معتصمين نائمين، بلا إنذار، بلا حوار، بلا محاولة فهم. كانت الرسالة واضحة، وإن لم تُكتب: "هذا السقف لا يُرفَع، ومن يقترب منه يُكسَر".
ذلك اليوم لم يقتل أشخاصًا فقط، بل قتل فكرة الثقة ذاتها. ومنذ أن تسقط الثقة بين الدولة وشعبها، لا يعود الخلل سياسيًا فحسب، بل وجوديًا.
قد تعود الطرق إلى ازدحامها، والدوائر الحكومية إلى عملها، والأسواق إلى ضجيجها، لكن شيئًا في الداخل يكون قد تحطم إلى الأبد.

من الاحتجاج إلى القطيعة
بعد الخميس الدامي، لم تعد الأزمة قابلة للاحتواء السريع. توسّعت الاحتجاجات، ارتفع سقف المطالب، وتشدّدت السلطة أكثر فأكثر. دخلت البلاد في دوّامة لم تخرج منها حتى اليوم: اعتقالات، محاكمات، إسقاط جنسيات، فصل من الوظائف، إعلام أحادي الصوت، وحياة سياسية أُفرغت من معناها.
ثم جاء هدم نصب دوّار اللؤلؤة، كأن السلطة قررت ألا تكتفي بإسكات الصوت، بل أن تمحو المكان نفسه الذي وُلد فيه.
غير أن الدول التي تهدم الرموز لا تفهم أن الذاكرة لا تسكن في الحجر، بل في البشر.

الطائفية: السلاح الأرخص في حرب الخوف
سريعًا، تحوّلت الأزمة السياسية إلى جرح طائفي مفتوح. جرى تبسيط كل شيء في معادلة مريحة وخطيرة: هؤلاء شيعة، وأولئك سنة، وكأن الوطن مجموعة طوائف لا شعب واحد.
استُخدمت الطائفية كدرع سياسي، وكعصا تخويف، وكجدار يمنع أي حديث عن المواطنة المتساوية. وبدل أن تُناقش مطالب الإصلاح بوصفها حقوقًا مدنية، جرى تصويرها كمؤامرة مذهبية، وتهديد وجودي، ومشروع خارجي.
هكذا انتصرت الرواية الأسهل، وخسر الوطن أعقد معاركه: معركة بناء هوية جامعة.

خمسة عشر عامًا من الاستقرار الخائف
تقول الدولة اليوم إنها تجاوزت الأزمة، وأن البحرين تعيش استقرارًا. وربما يصح هذا الكلام أمنيًا، لكنه لا يصح إنسانيًا ولا سياسيًا.
الاستقرار الذي يقوم على الصمت، وعلى الخوف من الكلام، وعلى تجنّب السياسة كما يُتجنب المرض، ليس استقرارًا، بل هدنة طويلة بين الغضب والانفجار.
جيل كامل كبر وهو يرى السياسة شيئًا خطرًا، والكلمة مخاطرة، والسؤال جريمة محتملة. آلاف الشباب إمّا في السجون، أو في المنافي، أو في عزلة داخلية قاسية، يتابعون وطنهم من بعيد كمن يشاهد بيت طفولته يحترق ولا يملك سوى التحديق.

لماذا تُسمّى الثورة المنسية
لأنها لم تُنتج صورة سينمائية كبيرة للعالم: لا رئيسًا هاربًا، ولا قصرًا محترقًا، ولا حربًا مفتوحة.
لكنها بالنسبة للبحرينيين ليست منسية، بل مؤجلة في القلب.
منسية في الإعلام العالمي، نعم، لكنها محفورة في تفاصيل الحياة اليومية: في الوظيفة التي لم تعد، في الجامعة التي أُغلق بابها، في الجلسات التي يُمنع فيها الكلام، في البيوت التي صارت تخاف على أبنائها من آرائهم.

السؤال الذي لم يُسمح له أن يُطرح
بعد خمسة عشر عامًا، لا يزال السؤال الأساسي محظورًا:
كيف تُحكم البحرين؟
ولصالح من تُدار؟
وهل المواطن شريك أم مجرّد تابع؟

كل شيء تغيّر بعد 2011، إلا هذه الأسئلة، بقيت كما هي، ثقيلة، معلّقة، بلا إجابة رسمية صادقة.

خاتمة قاسية لوطنٍ يتظاهر بالقوة
ثورة دوّار اللؤلؤة لم تفشل لأنها كانت خاطئة، بل لأنها وُوجهت بمنطق يرى في المواطن مشكلة، لا أساس الدولة.
لم تسقط لأن مطالبها مستحيلة، بل لأن الاعتراف بها كان أخطر من قمعها.
بعد خمسة عشر عامًا، لم يعد الدوّار موجودًا، لكن فكرته ما تزال تمشي في الشوارع، تجلس في البيوت، وتنام في صدور الناس.
فالدول قد تنجح في إسكات الأصوات، لكنها لا تنجح في قتل الأسئلة.
وسيبقى السؤال الأكبر يطارد البحرين، مهما طال الزمن:
هل تريد دولةً يعيش فيها الناس آمنين لأنهم صامتون؟
أم دولةً يعيشون فيها آمنين لأنهم أحرار؟

ذلك هو جوهر ما بدأ في دوّار اللؤلؤة وما لم ينتهِ بعد.