عن "إنجازات" النيابة العامة في البحرين: أرقامٌ مُرتفعة وأسئلة حقوقية مُعلّقة

2026-02-02 - 4:00 م

مرآة البحرين : مجدّدًا، وكعادتها، صدّرت السلطة في البحرين خطابًا "ساحقًا متفجّرًا خارقًا"، عنوانه النيابة العامة في البحرين. يقول الخبر إن النائب العام علي بن فضل البوعينين عقد مؤتمرًا صحفيًا للإعلان عن أبرز إنجازات النيابة العامة خلال عام 2025، وأكثر ما يدعو للوقوف عنده هو حديثه عن أن "نسبة الإنجاز الكلي للنيابة بلغت 99%"، مؤكدًا أن "هذه النسبة لا تعبّر عن رقمٍ فحسب، بل عن إرادةٍ مؤسسية جعلت من العدالة الناجزة عنوانًا لأدائها".

البوعينين أشار في مؤتمره إلى "إنجازات تطويرية شاملة تمّ تحقيقها وتعكس نهج النيابة العامة في الشفافية والتواصل وتعزيز كفاءة الأداء القضائي والمؤسسي".

وممّا قاله أيضًا إن "الجرائم الإلكترونية تتصدّر القضايا الواردة بنحو 10 آلاف قضية خلال عام"، لافتًا الى "تصاعد ملحوظ في قضايا إساءة استخدام منصات التواصل الاجتماعي"، حسب تعبيره.

تقرير النيابة العامة البحرينية عن 59922 قضية خلال عام 2025 وتحقيق نسبة إنجاز 99% يُقدم في ظاهره إنجازًا إداريًا "متميّزًا"، لكنه في العمق يثير تساؤلات أساسية حول معنى "الإنجاز القضائي" في دولةٍ تتناقض فيها السلطة القضائية مع مفاهيم الاستقلالية في ظلّ تحكّم الملك بها.

وقبل أيّ تفصيل لهذه الادعاءات لا بدّ من التأكيد أن الإنجاز الكمّي ليس دليلًا على عدالة نوعية، كما أن العدالة ليست سرعة معالجة ملفات فقط بل حماية الحقوق الأساسية للأطراف جميعًا.

تقرير النائب العام يذكر أن التقدّم يأتي "بدعم متواصل من القيادة الحكيمة" وأن ذلك يعزز سيادة القانون. هنا يتداخل البُعد السياسي مع المهني، فاستقلال القضاء مبدأ أساسي في القانون الدولي لحقوق الإنسان. حين يُربط "النجاح القضائي" بدعم القيادة السياسية، يتعرض مبدأ استقلال القضاء للتشكيك مباشرة، ومثل هذا الخطاب يُعيد إنتاج فكرة أن القضاء تابع للسلطة التنفيذية وليس حارسًا للحقوق والحريات، وهو ما يتعارض مع معيار استقلال السلطة القضائية المُعتمد في المواثيق الدولية.

ومن بين الاحصاءات، يُلاحظ غياب أيّ تحليل لقضايا تمسّ الحريات العامة، أي القضية الحساسة المتعلّقة بحرية التعبير أو الاعتقال الإداري أو التجمعات السياسية لم تُبحث بعمق.

المفارقة اللافتة في مؤتمر البوعينين حديثه عن تصدّر الجرائم الإلكترونية قائمة القضايا الواردة بنحو عشرة آلاف قضية خلال عام، مع الإشارة إلى تصاعد ملحوظ في قضايا إساءة استخدام منصات التواصل الاجتماعي. أمرٌ لا يمكن قراءته بمعزل عن الواقع السياسي للتضييق الواسع على النشاط الإلكتروني في البحرين. هذه الأرقام، بدل أن تُطمئن الرأي العام، تفتح بابًا مشروعًا للتساؤل: هل نحن أمام تصاعد فعلي في "الجريمة" التي يُروّج لها خطاب الدولة؟

في البحرين، بات الفضاء الرقمي واحدًا من آخر المساحات المتاحة للتعبير عن الرأي، ومع ذلك يجري التعامل معه بوصفه مصدر تهديد أمني لا مجالًا عامًا للنقاش. مصطلحاتٌ فضفاضة مثل "إساءة الاستخدام" أو "المساس بالنظام العام" تُستخدم على نحوٍ يسمح بتجريم الآراء السياسية، والنقد السلمي، وحتى التعبير عن القلق الاجتماعي، تحت مظلة قانون الجرائم الإلكترونية.

الخطير في هذا المسار ليس فقط العدد الكبير للقضايا، بل غياب أيّ نقاش رسمي حول معايير التمييز بين الرأي والجريمة، وبين النقد والتحريض، وبين التعبير السلمي والتجاوز القانوني الحقيقي. حين تُقاس سلامة الفضاء الرقمي بعدد الملفات المُحالة إلى القضاء، لا بمدى احترام حرية التعبير، فإن ذلك يعكس تحوّل العدالة من ضمانة للحقوق إلى أداة لإدارة المجال العام سياسيًا.

تصاعد قضايا "الجرائم الإلكترونية" بهذا الشكل لا يُمكن فصله عن مناخ سياسي يُضيّق الخناق على الأصوات المستقلة والمُعارضة، ويُعيد رسم حدود المسموح والممنوع في العالم الافتراضي، بما يتجاوز المعايير الدولية التي تعتبر حرية التعبير الرقمية امتدادًا طبيعيًا لحرية الرأي، لا استثناءً منها.

على الرغم ممّا يحاول أن يُظهره التقرير من مؤشرات إيجابية في الإطار الإجرائي، إلّا أن محدوديات عميقة في المضمون الحقوقي والسياسي تبرز بشكل لا يحتاج إلى تنقيب. إنجاز العدالة لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى احترام الحقوق الأساسية للأفراد، واستقلال المؤسسات، وشفافية الإجراءات.

عندما يتحوّل الإنجاز إلى شعار، وتتراجع الحريات والمساءلة، فإن النظام القضائي يفقد بوصلة العدالة الحقيقية، ويُصبح مجرد جهة إدارية تعالج ملفات، لا حاضنة للحقوق والسيادة القانونية.