عقد و نصف من الحقوق المعلّقة والحقوق المؤجَّلة

سيد يوسف المحافظة - 2026-02-14 - 7:11 ص

سيد يوسف المحافظة؛ مرآة البحرين

يحلّ الرابع عشر من فبراير في ذكراه الخامسة عشر ، ومعه تعود إلى الواجهة المطالب الحقوقية التي لم تفقد مشروعيتها بمرور الزمن. وبوصفي باحثا في الشأن الحقوقي، لا أستحضر هذه الذكرى بوصفها حدثًا في الذاكرة العامة لشعب البحرين فحسب ، بل باعتبارها محطة مفصلية ارتبطت بمطالب حقوقية لا تزال قائمة، ومكفولة، بموجب دستور مملكة البحرين، وبالمواثيق الدولية ذات الصلة التي التزمت بها الدولة طوعًا.

تمرّ هذه الذكرى محمّلة بتجارب متباينة، فيها ما هو باعث على الأمل بأن هذا الشعب حي ويمتلك إرادة فولاذية مؤمنة بالتغيير نحو الأفضل، وفيها ما هو مؤلم و ترك أثره العميق في الوعي الجمعي البحريني من انشقاقات وانقسامات وفقدان للثقة، أي نتطرق إلى حدث لا يمكن محوه من الذاكرة الوطنية عبر المعالجة الأمنية أو عبر إعادة توصيف المكان والرمز، كما حصل مع هدم دوار اللؤلوة وتغيير اسمه إلى مسمى "تقاطع الفاورق"، فقد شكّل التجمع الشعبي الذي شهدته البحرين آنذاك، أكبر حراك جماهيري في تاريخ الدولة الحديث، وبما يحمله ذلك من دلالات سياسية لا يمكن القفز عليها أو تبسيطها أو حتى طيها.

وتكتسب هذه الذكرى بُعدًا إضافيًا حين تتزامن مع ذكرى ميثاق العمل الوطني، وهو استحقاق سياسي يُفترض أن يدفع صانعي القرار السياسي إلى مراجعة جادة للمسار، واتخاذ خطوات مسؤولة تعالج جذور الأزمة وتداعياتها، لا الاكتفاء بإدارتها أو احتوائها مؤقتًا، ولا محاولة طمسها أو إعادة صياغة سرديتها وتزويرها كما هو الحال في السردية المضللة التي تُدرّس في مادة "المواطنة " في المدارس الحكومية، والتي تصف الحراك الشعبي بالحركة التخريبية والمؤامرة.

نعم، يمكن الإقرار بأن وزارة الخارجية البحرينية قد نجحت في استمالة العديد من البعثات الدبلوماسية الغربية وتوجيه تركيزها على المصالح الاقتصادية بدلًا من الاهتمام بحقوق الإنسان، من خلال بعض سياسات "الترهيب الناعمة والترغيب"، والذي تزامن مع تشديد القبضة الأمنية ورفع كُلفة المشاركة في الشأن العام، وهو ما أدى إلى خلق صورة خارجية وداخلية تبدو فيها البحرين وكأنها تجاوزت تبعات تلك المرحلة، وهذا النجاح الدبلوماسي لا يعكس تراجع دور الجهات الحقوقية وقوى المعارضة، ولكنه تجسيد ونتيجة واقعية للدبلوماسية القائمة على المصالح المتلونة.

ويقابل هذا النجاح غياب للاستقرار السياسي، وصورة دولية حقوقية قاتمة، وإدانات دولية مستمرة، وحقوق مقيدة، وعاطلين عن العمل وأزمة اقتصادية، وبلد يُدار بمنهج بوليسي، وخنق لأي رأي ناقد أو معارض للحكومة، وهذا المشهد يجعل من الصعب التنبؤ بما يمكن أن تنجرف إليه الأمور مع تراكم الغضب والاحتقان واليأس والمظالم و الشعور بالتمييز وانسداد الأفق السياسي، واستمرار الحكم بالقبضة الأمنية بدلًا من الحكمة السياسية.

إن من يقرأ التجربة البحرينية في سياقها التاريخي، ويفهم مسارات نضال المجتمعات من أجل الحقوق، يدرك أن القمع والترهيب والتضليل ليست حلولًا دائمة، بل أدوات مؤقتة. وهي إما أن تنتهي بتحولات غير محسوبة، أو بقرارات سياسية محسوبة، تعيد الاعتبار للحقوق المؤجلة، وتساهم في الاستقرار، بما يشمل بناء الثقة ومعالجة الأزمة التي لا يمكن أن تعالج دون عقد سياسي مستدام بين الشعب و نظام الحكم، قوامه المساواة أمام القانون، والمشاركة، والعدالة والمواطنة المتساوية.

ولتهيئة الأجواء، لابد من خطوات عملية تقوم بها الحكومة، كالإفراج عن قادة المعارضة المحكومين بالمؤبد، يشمل ذلك المعارض إبراهيم شريف، وتُلغي قانون العزل السياسي الذي يَحرم الأفراد من حقوقهم السياسية، من أجل ارسال رسائل تهدأة، وهي أمور إن حصلت لابد أن تقابل كذلك بخطوات إيجابية من قوى المعارضة والمجتمع المدني، تمهيدًا لحوار وطني جامع، ينقلنا من مرحلة القطيعة والإلغاء إلى مرحلة التلاقي والمشاركة.