العدالة الانتقالية.. المهمة غير المنجزة

باقر درويش - 2026-02-16 - 5:35 م

باقر درويش؛ مرآة البحرين

منذ اللحظة الأولى لاندلاع حراك 14 فبراير/شباط عام 2011، برزت تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الحياة السياسية في البحرين، وبشأن المسار الكفيل بتسوية آثار النزاع، متى ما توافرت ظروف مصالحة وطنية حقيقية وجادة.
لجأت السلطة إلى خيار تغليب العقل الأمني في مقاربة الأزمة، مع إنكار متعمد لجذورها، وتكريسٍ لعقيدة الانتقام السياسي من كل صوت وحالة عبّرت عن رفضها للسياسات القمعية القائمة.
لذلك؛ عندما جاءت فكرة إنشاء لجنة تقصي الحقائق برئاسة البروفيسور محمود شريف بسيوني -نظرا لحجم الانتهاكات المتوزعة في مختلف مناطق البحرين- لم تحولها الدولة إلى محطة جدية للشروع الفوري نحو العدالة الانتقالية، وبالتالي نجحت في توليد حيل التسويف، فكانت اللجان فاللجان فالتقارير الالتفافية التي تصدر من مؤسسات الدولة، ساندتها في ذلك ماكنة إعلامية وحراك دبلوماسي، وهنا ملاحظة اعتراضية: النجاح في توليد الحيل لا يعني النجاح في ترويج السردية الرسمية.
في العموم، توالت السنوات وتعددت التجاوزات، واشتغل العقل الأمني على توسعة مرمى الانتهاكات والاصطياد في ساحات الانتقام، إن على مستوى الاعتقالات التعسفية أو المحاكمات غير العادلة، وصولًا إلى ضرب عناصر قوة المجتمع السياسي والديني في البحرين.
لم يكن "مبنى 15" في سجن جو المركزي، شأنه شأن غيره من المباني، المنطقة الوحيدة التي تُمارَس فيها العقوبات الممتدة زمنيًا، بل إن إسقاط الجنسيات عن المعارضين، وحل الجمعيات السياسية، والانزلاق نحو العزل السياسي، شكّلت خطايا عرقلت أيّ فرص تهدئة ولو جزئية، فالدولة تظن بأنها تجاوزت الحالة المعارضة وأقفلت الملف من غير رجعة.
في العموم، تنوعت الانتهاكات والتعديات، ولم تقتصر على الاعتقال السياسي، وتزايدت أعداد المتضررين من سياسات "العقل الأمني"، وهنا يُسجل عتب على الجسم الحقوقي لعدم إعطاء بعض أشكال الانتهاكات حقها اللازم في الكشف. ولنا أن نسأل عن حجم الانجاز المحقق في ملف الانتهاكات في البحرين، وهو استفهام يثير الكثير من النقاش قبل الشروع في الحديث عن مسألة المحاسبة وجبر الضرر، وطبيعة الإصلاح المؤسسي المفترض.
إنَّ عملية كشف الحقيقة بحاجة إلى مسار مؤسسي يغطي ما هو أكثر من خمس عشرة سنة، مسارٍ يتجاوز العناوين التي تشغل الناس، فعلى سبيل المثال: ماذا عن الانتهاكات المرتبطة بالأوضاع القانونية لمن أُسقطت جنسياتهم؟ وكيف تُجبر الأضرار الناتجة عن تعطيل ترقيات موظفين لدواعٍ سياسية؟ وما حجم الأثر الناتج عن فقدان الدخل المالي للمفصولين عن العمل وعوائلهم؟

أعتقد جازما -وللحديث تتمة- أنَّ أي مسار للحل السياسي لو تحقق في يوم من الأيام، يجب أن يرافقه مسار صحيح يناسب الخصوصية البحرينية فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، من أجل الوصول لحلول مستدامة تُعالج أضرار التجاوزات الرسمية، وتطوي صفحة الماضي. أما مجرد الإفراج عن المعتقلين واستصدار إفادات حسن سيرة وسلوك لهم فليس أمرًا كافيًا، إذ أن العدالة الانتقالية يجب أن تقود كبار المتورطين في التعديات إلى المثول أمام القضاء، كما يجب تضمين التشريعات ذات الصلة نصوصًا تضمن عدم تكرار تلك الأنماط المأساوية من الانتهاكات.
رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان