خطاب وزير الخارجية البحريني في مجلس حقوق الإنسان: أداةٌ مكرّرة لتلميع صورة النظام
2026-02-25 - 11:20 م
مرآة البحرين: وكأنّ انتهاكاتٍ لم تكن، وكأنّ سجنًا سياسيًا لم يُفتح، وكأنّ تعذيبًا وافتراءً لم يحصل يومًا. هذا هو حال تصريحات أيّ مسؤول رسمي في البحرين يُحاول تمثيل دور الحريص على الشأن الحقوقي في البلاد.
مناسبة هذا الكلام حديث وزير الخارجية عبد اللطيف بن راشد الزياني خلال افتتاح الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، وفيه لفت الى "أهمية ما تشهده مملكة البحرين من تقدّم ملموس وفاعل في ترسيخ أعلى معايير حقوق الإنسان والحريات الأساسية".
وقال وزير الخارجية إن "التزام مملكة البحرين الراسخ بتعزيز حقوق الإنسان يتجلّى من خلال مبادرات رائدة، مثل اعتماد العقوبات والتدابير البديلة، ممّا يشكل تحولًا هامًا في فلسفة الدولة للعقوبات نحو إصلاح الفرد، والتنفيذ المستمر لبرنامج السجون المفتوحة، الذي يُعدّ نموذجًا متميّزًا لإعادة تأهيل المجرمين وتيسير إعادة دمجهم في المجتمع".
ونوّه وزير الخارجية بـ"التعديلات الأخيرة على قانون الصحافة والطباعة والنشر التي أسفرت عن تحسينات جوهرية في مجال حقوق الإنسان، بما في ذلك إلغاء عقوبة سجن الصحفيين في قضايا النشر، وتنظيم الإعلام الإلكتروني، وترسيخ الضمانات القانونية والمهنية للصحفيين والإعلاميين، وتعزيز الحرية الصحفية والإعلامية المسؤولة في ظل دولة القانون والمؤسسات الدستورية". كذلك جدّد "التزام مملكة البحرين بقيم التسامح والتعايش والإخاء الإنساني باعتبارها ركائز رئيسية لسياستها الخارجية".
للحظةٍ يُخَيّل لنا أن الزياني يتحدّث عن مدينة فاضلة عادلة، مواطنوها متساوون وينعمون بكامل حقوقهم. هي محاولة جرّب فيها الزياني رسم صورة وردية لواقع حقوق الإنسان في بلاده، لكن عند التدقيق في الواقع الميداني والتقارير الحقوقية الدولية، يتبدّى سريعًا وبلا أيّ جهد جبّار أن هذه الكلمة ما هي إلّا مجموعة من التبريرات والمُغالطات التي لا تعكس حقيقة ما يحدث على الأرض. كلماتُ الزياني قد تبدو لطيفة على الورق، لكنها في الواقع تُستخدم كأداة لتبييض الانتهاكات وتلميع صورة النظام لدى المجتمع الدولي.
تكرار عبارة "ترسيخ أعلى معايير حقوق الإنسان" في خطابات المسؤولين لا يعني أبدًا أن تلك المعايير تُطبّق فعليًا. فحقوق الإنسان لا تُقاس بالكلمات، بل بتجارب المواطنين اليومية. بينما يتحدث الوزير عن برامج إصلاح ونماذج عقابية "متميّزة"، تشير التقارير الدولية إلى استمرار انتهاكات جسيمة لحقوق المحتجزين، بما في ذلك التعذيب والمعاملة السيّئة وسوء الظروف داخل السجون. هذه القضايا موثّقة من قبل لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة، التي أعربت عن قلقها من هذه الممارسات وطالبت بتعريف أوسع للتعذيب في القانون البحريني.
إضافة إلى ذلك، تبرز إشادة الزياني بـ"التحسينات الجوهرية" في قانون الصحافة والطباعة والنشر، غير أن تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" تؤكد أن البحرين ما تزال تُقيّد حرية التعبير والتجمع وتقوم باعتقالات بحق ناشطين وصحفيين فقط لممارسة حقوقهم الأساسية. وهذا ما يجعل الحديث عن "حرية صحفية مسؤولة في ظل دولة القانون" يبدو وكأنه دعاية إعلامية لا أكثر.
لا يمكن لأيّ مسؤول أن يزعم احترام حقوق الإنسان في بلده بينما ما يزال العشرات من سجناء الرأي والعاملين في المجتمع المدني أو المعارضين السياسيين رهن الاعتقال أو الخضوع لمحاكمات مشكوك في نزاهتها. ولا تكفي الإشارات العامة إلى برامج تأهيل في السجون أو عقوبات بديلة لتغطية هذا الواقع، إذ يظهر أنها محاولة لتجميل صورة منظومة عدلية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع.
حين يتحدّث وزير الخارجية عن مكانة البحرين الدولية، مثل عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن، وعن انخراطها في مبادرات السلام والتعايش، فهذا يهدف غالبًا إلى تركيز الانتباه على السياسة الخارجية الإيجابية لصرف الأنظار عن المشاكل الحقوقية الداخلية، لكن لا يمكن لأيّ بلد أن يكون "نموذجًا في احترام الحقوق" طالما شهادته الدولية تتجاهل معاناة مواطنيه المحرومين من أبسط الحقوق.
يمكن القول إن التصريحات الرسمية التي تُروّج لحقوق الإنسان في البحرين تبدو في أفضل أحوالها أداة دبلوماسية للدفاع عن صورة الدولة في المحافل الدولية، لكنها في الحقيقة لا تعكس الواقع الذي وثّقته منظمات مستقلة وتقارير دولية. الحقوق ليست أرقامًا في تصنيف أو إنجازات يُقال إنها "رائدة"، بل هي حياة الناس اليومية وكرامتهم وحريتهم في التعبير والعمل والتنظيم دون خوف.
حتّى يتمّ الاعتراف بحقوق الإنسان كأولوية حقيقية في البحرين، يجب أن يُبنى الحوار على الشفافية والمساءلة وتنفيذ توصيات المجتمع الدولي، وليس على كلمات برّاقة تُستخدم لحجب الحقيقة.
- 2026-02-24سيكولوجية الحصار وهوس "الولاء": تفكيك عقيدة الحاكم حمد بن عيسى تجاه الشيعة
- 2026-02-23لماذا لم تُفصح البحرين عن حجم مُساهمتها في مجلس ترامب وممّ تخشى؟
- 2026-02-22تمكينٌ وراثي: حين تتحوّل المناصب إلى امتداد لشجرة الحكم
- 2026-02-19تبذير في الخارج وأزمات في الداخل: رفاهية الرياضة وتحديات الدين العام في البحرين
- 2026-02-18تسريب غير مؤكد حول تحذير البحرين لإيران يثير سخرية المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي