البحرين تختبر الحرب على حقيقتها وتتباكى على السيادة

كيف تهاوت خرافة الحماية الأمريكية خلال يومين من الحرب؟

2026-03-03 - 6:16 م

مرآة البحرين: فجأة، تهاوت أوهام البحرين ومعها دول الخليج على وقع رشقات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية وهي تعبر سمائها بكلّ حريّة وتستهدف قواعد الأمريكان ومصالحهم بلا رحمة، وبدت ساعة الحقيقة رهينة هذه المشهدية العسكرية الجديدة، في الوقت الذي طوى يومين فقط من أيام الحرب، خرافة "الحماية الأمريكية" بلا رجعة، في زلزال سياسي وعسكري ستبقى ارتداداته حاضرة خلال العقود القادمة، وإن لم يدرك الخليجيون آثاره حتى اللحظة.

لا شيء في السياق التاريخي يشير إلى رغبة النظام الإيراني القائم بالاعتداء على دول الخليج العربية، لكن استضافة الأخيرة لقواعد أمريكية وبريطانية ومكاتب استخباراتية صهيونية، شكّل على مدى عقود مصدر تهديد جدّي للإيرانيين.

في المنطق العسكري، لا يوجد ما يؤكد صحة المعادلة التي يريد الخليج تقديمها كمبرر على استضافة كل هذه القواعد الأمريكية في المنطقة، فالحياد السياسي لا يكفي لتغيير قواعد المعادلة العسكرية ما دام الميدان يسجّل دعمك اللوجستي للأعمال العدائية.

حاول الخليجيون خديعة الإيرانيين بأنهم لن يسمحوا للأمريكان باستخدام أجوائهم في أي عملية عسكرية، في نكتة سياسية لم يقتنع بها الخليجيون أنفسهم، فالجميع يعرف أن لا سيادة لهذه الدول على أجوائها، خصوصاً بعد حادثة محاولة الاغتيال التي نفذتها إسرائيل (9 سبتمبر 2025) في الدوحة ضد قيادات من حركة حماس، والتي كشفت بعد ذلك عن تواطؤ أمريكي تمثل في تعطيل أجهزة الرادارات والإنذار المبكر، أو على الأقل عدم إخبار الجانب القطري بما يحصل.

في البحرين، لم يقدّم النظام أي تطمينات أصلاً بهذا الشأن، وعندما كانت الأنظمة الخليجية الأخرى كالإمارات وقطر والسعودية تسلك هذا الطريق، كانت القيادات السياسية للنظام البحريني تجتمع مع قيادات أمريكية عسكرية رفيعة المستوى خلال الأيام القليلة الماضية قبل بدء العدوان، التي شهدت تحشيداً أمريكياً عسكرياً واسعاً في المنطقة.

لم تجد هذه الحجّة طريقها لإقناع أحد في الخليج بهذه النكتة، وعلى فرضية استجابة الولايات المتحدة للرغبة الخليجية على المستوى العسكري، فماذا عن المستوى الاستخباراتي واللوجستي؟ بل ماذا عن التلاعب الأمريكي وهيمنتها الفعلية على كامل السماء الخليجية في حال تطلبت المصالح الأمريكية ذلك؟

بحسب تقارير إعلامية، تمتد منطقة عمليات الأسطول الخامس على قرابة 6.5 ملايين كيلومتر مربع في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا، وتشمل الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي.

ويضم هذا المجال 25 بلداً، بما في ذلك بلدان الخليج العربي وإيران والعراق وباكستان والصومال، كما يضم 3 نقاط ذات أهمية بالغة للتجارة العالمية هي: قناة السويس، مضيق باب المندب، مضيق هرمز.

يتبع الأسطول الخامس القيادة الوسطى للقوات البحرية الأميركية، ويتكون في الظروف العادية من أكثر من 20 سفينة حربية، بما فيها غواصات ومدمرات تتوزع في تشكيلات حول حاملة طائرات، وفي مجموعة برمائية جاهزة تضم سفنا وطائرات شحن ومروحيات قتالية ووحدات دعم مختلفة.

ويصل عدد أفراد الأسطول إلى نحو 15 ألف عنصر على السفن، إضافة إلى ألف عنصر على اليابسة.

ويتوزع الأسطول على عدد من قوات المهمات أبرزها:

- قوة المهام 50 القتالية التي تضم حاملة طائرات.
- القوة 51 المتخصصة في القيادة والتحكم والاستجابة للطوارئ والمساعدة والإغاثة.
- قوة المهمات 52 للتعامل مع الألغام.
- القوة 53 للدعم اللوجستي.
- القوة 54 للغواصات.
- القوة 57 للمراقبة والاستطلاع.

وقد استحدث الأسطول الخامس قوة المهمات 59 المتخصصة في الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي لدمج هذه الأدوات في أنشطته، حيث كثف استخدامه للطائرات المسيرة والسفن السطحية غير المأهولة والمركبات غير المأهولة العاملة تحت الماء، ويتوفر على مركزين لتشغيل هذه المنصات في البحرين والأردن.

أمام هكذا هيكلية استراتيجية تشمل المراقبة والاستطلاع والدعم اللوجستي واستخدامات الذكاء الاصطناعي، يصبح الحديث عن عدم انطلاق عمليات عسكرية من البحرين مجرد حجّة ضعيفة لا تصمد أمام الواقع، خصوصاً مع هذا الكم الهائل من التخصصات التي يضطلع بها الأسطول.

تدرك دول الخليج، ومعها البحرين، يوم أن جاءت بالقواعد الأمريكية لدولها، أنها تستفز الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الضفة الأخرى من الخليج، وتفرض عليها طوقاً من التهديد والعيون الاستخباراتية الدائمة، ولكن من المستغرب أنها لا تفهم أنّ هذا يُعرّضها لخطر الحرب حال اندلاعها، فهل كانت البحرين، تتوقع من إيران أن تتفرج على تسخير الأراضي الخليجية كمنصات لأعدائها؟!

لأول مرة ينال البحرين شيء من نتائج تحولها لمنصة غزو للبلدان، وسبق وأن شارك الأسطول الأمريكي في غزو أفغانستان 2001، والعراق 2003، وفي مختلف العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، بما فيها العدوان على اليمن، وحين تشكيل الحلف الأمريكي البحري ضدها في 2023، إضافة لدول وساحات حروب ليس للبحرين علاقة بها، لكن أحداً لم يتساءل ما إذا كانت هذه الأدوار التي لعبها الأسطول الخامس تتعلق باتفاقيات الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة والبحرين، أم أن الأخيرة لا سيادة لها على كل ذلك؟

ردّ الفعل الإيراني الغاضب، بعد اغتيال المرشد الأعلى، الإمام السيد علي الخامنئي، مع بدء العدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وقت مبكر من يوم السبت (28 فبراير 2026)، شكّل صدمة للبحرين ودول الخليج، التي اعتادت من إيران خلال العقود الماضية، سيرها وفق لياقات دبلوماسية تداري دول الخليج، خصوصاً مع استهدافها بالإضافة للأسطول الخامس في الجفير وقاعدة عيسى الجوية في الصخير، فنادق لجأ لها الضباط والجنود الأمريكان.

وبعيداً عن تحليل هذه الخطوة والتحوّل في الرصد الإيراني، مثّل اليوم الأول والثاني للحرب فشلاً استراتيجياً في صدّ الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، حتى أعلن الحرس الثوري الإيراني في اليوم الثالث، خروج القاعدة الأمريكية في الجفير عن الخدمة، الأمر الذي أثار التساؤلات حول جدوى الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة، والتي طالما تفاخر بها النظام البحريني خلال السنوات الماضية، ودفع من أجلها مليارات الدولارات!

وإذا ما أضيفت لعامل النجاح الإيراني في إصابة المواقع الأمريكية بدقة، وانكشافها للصواريخ والمسيرات الإيرانية بكل سهولة، وفشل القاعدة في حماية نفسها، فالتساؤل يصبح مضاعفاً حول فائدة كل تلك الاتفاقيات، وهل ستحمي البحرين فعلاً؟!

مع دخول اليوم الثالث للحرب، باتت القناعة في الخليج أكثر رسوخاً أن الولايات المتحدة لا يمكنها حماية قواعدها في الخليج أمام الضربات الإيرانية، فضلاً عن حماية حليفاتها، الأمر الذي دفع "شركاء في الخليج" بالطلب من البريطانيين بفعل المزيد من أجل الدفاع عنهم، بحسب ما صرّح رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في مؤتمر صحفي (2 مارس 2026).

في هذا السياق، يذهب المحللون العسكريون إلى وجود رغبة صهيوأمريكية لجرّ الدول الخليجية إلى مواجهة جارتها الإيرانية، فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، تكتنف هذه الرغبة بشكل قاطع، فتارة يتحدث عن مشاركتهم فعلاً في القتال، وتارة يؤكد لهم استهداف إيران لمصالحهم وكأنه يستحثّهم للردّ، وهو ما وجدنا أصدائه بالفعل في ردود فعل سعودية غير موزونة، في وقت تدرك المملكة العربية أن مصالحها النفطية والحيوية مكشوفة بالكامل، وقد تتحوّل إلى هباء في لحظات في حال اتساع المواجهة.

لا شك أن الخليج تحكمه الآن لحظة تاريخية استثنائية تفرض عليه التعامل مع هذه التحديات بحكمة، فالاستمرار في استضافة القواعد الأمريكية لم يعد مجدياً، ولا يملك الخليجيون المبرّر الحقيقي للمضي فيه، وعلى الأقل فإنّ مفاسده أكثر من منافعه، ومن الواضح الآن أمام المعطيات العسكرية القائمة، وتغيّر قواعد الاشتباك الإقليمية، وتجاوز الأطراف للخطوط الحمر، ورغبة الكيان الصهيوني في نتائج جيوسياسية كبرى تغيّر الشرق الأوسط، وتفرض معادلة جديدة تسمح له بتنفيذ خططه التوسعية، ودرءً لأخطار تحوّل الدول الخليجية لساحة حرب لا ناقة لهم فيها، فالأصلح هو إخراج هذه القواعد العسكرية من المنطقة، والتخلّي عن أوهام الحماية، والاعتماد على سياسات داخلية وإقليمية أكثر فائدة.