متى يندم ناصر بن حمد على تصريحاته؟

2026-03-16 - 4:15 ص

في منتدى Aspen Security Forum الذي انعقد في الولايات المتحدة في 19 تموز/يوليو 2024، أعلن نجل ملك البحرين ومستشار الأمن الوطني ناصر بن حمد عن خطط لتوسيع اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل (C-SIPA) بحيث تتجاوز إطارها الثنائي وقتها مع الولايات المتحدة.

وقال إن "الاتفاقية ستتطوّر من اتفاق ثنائي إلى اتفاق متعدد الأطراف يشمل نطاقًا أوسع"، مضيفًا إن "الولايات المتحدة تمتلك حلفاء كثر حول العالم، وأن هذه الاتفاقية يمكن أن تجمع هؤلاء الحلفاء في إطار واحد".

الأبرز في ما قاله حينها ناصر بن حمد هو أن اتفاقية C-SIPA تعدّ من أهم الاتفاقيات التي أبرمتها البحرين مع الولايات المتحدة، وأنها لا تقتصر على التعاون العسكري أو الدفاعي التقليدي، بل تشمل مفهوم التكامل الأمني الشامل مع جانب اقتصادي وتنموي، وأن الاتفاقية تمثّل أول ضمانة أمنية تقدمها الولايات المتحدة لدولة عربية، داعيًا إلى المضيّ قدمًا في تطويرها استنادًا إلى ما ورد في المادة الخامسة من الاتفاق.

إذًا، قدّم ناصر بن حمد ما اعتبره إنجازًا استراتيجيًا لبلاده، متحدثًا بفخر عن الاتفاقية على أنها تمثّل أول ضمانة أمنية تقدمها الولايات المتحدة لدولة عربية.

في ظل الحرب الدائرة اليوم بين إيران والكيان الصهيوني والولايات المتحدة، يبدو إنجاز الأمس أقرب إلى وهْم سياسي مُكلِف منه إلى ضمانة حقيقية للأمن، فالاتفاقية التي وقّعتها البحرين مع واشنطن في سبتمبر/أيلول 2023 تهدف أساسًا إلى تعميق التعاون الأمني والعسكري والتكنولوجي بين البلدين، مع توسيع تبادل المعلومات والتكامل الدفاعي، غير أن هذه الاتفاقية، وعلى الرغم من كل ما أُُحيط بها من لغة طموحة، ليست معاهدة دفاع مشترك حقيقية، بل إطار تعاون أمني لا يرتقي إلى التزامات ملزمة شبيهة بحلف شمال الأطلسي.

وهنا تكمن المفارقة التي تتكشّف بوضوح اليوم، فالسلطة روّجت لفكرة أن الاحتماء بالمظلّة الأمريكية هو الطريق الأقصر إلى الأمن والاستقرار. لكن الأحداث الإقليمية المتسارعة أثبتت أن هذا الرهان ليس ضمانة، بل قد يتحوّل إلى مصدر خطر مباشر، إذ عندما تتحوّل دولة صغيرة مثل البحرين إلى جزء من منظومة الردع العسكرية التي تقودها واشنطن، فإنها لا تحصل فقط على الحماية، بل تصبح أيضًا جزءًا من ساحة الصراع.

الرهان على الضمانة الأمريكية يقوم على فرضية بسيطة: أن وجود واشنطن إلى جانب البحرين كفيل بإبعاد المخاطر عنها، لكن الواقع الإقليمي يكشف عكس ذلك. التحالفات العسكرية الكبرى لا تعزل الدول الصغيرة عن الصراعات، بل غالبًا ما تجعلها نقاط تماس داخل تلك الصراعات.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الاتفاقية التي احتفى بها ناصر بن حمد بوصفها "الضمانة الأمنية الأولى" لم تغيّر في جوهر المعادلة شيئًا: البحرين ما تزال تعتمد بالكامل على القوة الأمريكية لحماية أمنها، بينما تتحمّل في المقابل كلفة الاصطفاف في محاور إقليمية متفجرة.

وعليه، اعتقدت السلطة الحاكمة بأن تحويل البحرين إلى حلقة في منظومة الأمن الأمريكية سيجلب الاستقرار. لكن ما يحدث اليوم في المنطقة يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل أصبحت البحرين أكثر أمنًا فعلًا أم أكثر انكشافًا؟

المفارقة أن ناصر بن حمد تحدّث في المنتدى نفسه عن أن بلاده ساهمت في منع وصول الصواريخ الايرانية لأهدافها برادارتها المشتركة والمدمجة مع أمريكا والأردن و"إسرائيل"، مُعلنًا "أننا مع الولايات المتحدة و"إسرائيل" ضمن معادلة الردع ضد إيران". طبعًا هذا الكلام جاء عقب الهجوم الإيراني المباشر على الكيان في 13 نيسان/أبريل 2024، حين أطلقت طهران مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والمجنّحة باتجاه إسرائيل في أول مواجهة عسكرية مباشرة من هذا النوع بين الجانبيْن، وذلك ردًا على العدوان "الإسرائيلي" الذي استهدف القنصلية الإيرانية في سورية آنذاك.

ناصر كان سبّاقًا في ذلك الوقت وقدّم البحرين بوصفها جزءًا من شبكة الردع الإقليمية التي تصدت للهجوم، لكنّ هذا التفاخر بالدور العسكري يفتح بابًا واسعًا للنقد، فبدل أن تنأى حكومة البحرين بنفسها عن الصراع المتصاعد بين إيران و"إسرائيل"، يجري تقديم انخراطها في هذه المنظومة العسكرية كإنجاز دبلوماسي وأمني، بينما يعني ذلك عمليًا تحويل البلاد إلى جزء من بنية المواجهة الإقليمية.

الحديث عن مساهمة البحرين في شبكة الرادارات والإنذار المبكر لا يقدّم صورة عن دولة تحاول حماية نفسها بقدر ما يكشف عن دولة تُدمَج تدريجيًا في منظومة دفاعية تقودها الولايات المتحدة و"إسرائيل". وهذا الاندماج، الذي يفاخر به المسؤولون في المؤتمرات الدولية، لا يعكس مصلحة البحرين بقدر ما يعكس موقعها داخل التحالفات العسكرية الكبرى. ومع كل تصعيد جديد في المنطقة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تحمي هذه الشبكات العسكرية البحرين فعلًا، أم أنها تجعلها أقرب إلى خطوط النار في صراع لا تملك السيطرة عليه؟

في الخلاصة، وفي ظل الحرب الحالية التي تهزّ وتُشعل المنطقة في 2026، تبدو الحقيقة أكثر وضوحًا من أيّ وقت مضى:
الضمانة الأمريكية التي جرى تسويقها باعتبارها إنجازًا دبلوماسيًا قد لا تكون في نهاية المطاف سوى وعد سياسي فضفاض، بينما المخاطر التي ترتبت عليها أصبحت واقعية وملموسة.