الأزمة البحرينية بين السيادة والشرعية في ظل حرب غزة والاشتباك مع إيران
سيد عباس شبّر الموسوي - 2026-03-28 - 1:29 ص
السيد عباس شُبَّرْ؛ مرآة البحرين
في لحظات الاضطراب الإقليمي لا تُختبر قدرة الدول على الصمود فقط، بل تُختبر أيضاً المفاهيم التي تقوم عليها مثل السيادة والشرعية والعقد الاجتماعي. هذا ما ظهر في البحرين خلال حرب غزة والاشتباك الأمريكي الإيراني. لم يكن الحدث العسكري هو ما لفت الأنظار، بل ما كشفه من فراغ في البنية السياسية ومن هشاشة في العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
فالسيادة في معناها الحديث ليست مجرد ضبط للحدود أو استضافة لقواعد عسكرية، بل قدرة على إنتاج قرار سياسي مستقل يستند إلى إرادة جماعية. وعندما تعتمد الدولة على حماية خارجية تتحول السيادة من مفهوم سياسي إلى وظيفة أمنية. وقد بدا ذلك واضحاً حين انسحبت القوات الأمريكية من مواقعها في البحرين مع أول تصعيد، تاركة الدولة أمام سؤال لم يعد ممكناً تجاهله:
هل يمكن لسيادة مستعارة أن تمنح استقراراً حقيقياً؟
الأزمة البحرينية كما تكشفها هذه اللحظة ليست أزمة أمنية أو طائفية، بل أزمة شرعية، فالشرعية ليست قوة تُفرض، بل اعتراف يمنح السلطة معناها، وهي لا تأتي من الخارج ولا تُنتزع بالقوة، بل تُبنى عبر علاقة ثقة بين الدولة والمجتمع. وعندما تتآكل هذه الثقة يصبح أي حدث خارجي قادراً على كشف هشاشة الداخل.
على مدى عقود اعتمدت الدولة البحرينية على معادلة تقوم على التحالفات الدولية باعتبارها ضمانة للاستقرار، وعلى إدارة المجتمع عبر أدوات الضبط الأمني، بدت هذه المعادلة متماسكة في أوقات الهدوء، لكنها انهارت عند أول اختبار إقليمي. فالمجتمع الذي جرى تفكيكه طائفياً ثم إعادة تشكيله ديموغرافياً لم يعد يرى نفسه جزءاً من مشروع سياسي جامع، والدولة التي فضّلت القوة على المشاركة وجدت نفسها أمام مجتمع يتحرك خارج قنواتها الرسمية ويعيد تعريف ذاته في مواجهة السلطة لا من خلالها.
هنا يصبح مفهوم العقد الاجتماعي محورياً، فالدولة الحديثة لا تقوم على الغلبة، بل على اتفاق ضمني يحدد حدود السلطة وحقوق المجتمع، وعندما يغيب هذا الاتفاق أو يتحول إلى نص شكلي لا يعكس توازنات المجتمع تصبح الدولة كياناً فوق المجتمع لا معه. وقد ظهر ذلك في البحرين حين تحولت الجنسية إلى أداة ضبط، والتمثيل السياسي إلى امتياز محدود، والمشاركة العامة إلى مساحة مراقبة لا مساحة قرار.
الاحتجاجات التي عادت إلى الشوارع لم تكن مجرد رد فعل على حرب خارجية، بل تعبيراً عن غياب العقد الاجتماعي؛ فالمواطن الذي لا يشعر بأنه طرف في صياغة مصيره يبحث عن لحظة يعلن فيها رفضه للمعادلة القائمة، ومع كل اهتزاز إقليمي يتسع الشرخ بين الدولة والمجتمع لأن العلاقة بينهما لم تُبنَ على المشاركة بل على إدارة التوتر.
الشرعية في معناها الفلسفي هي القدرة على جعل السلطة مقبولة لا مفروضة. وهي لا تُقاس بقدرة الدولة على البقاء، بل بقدرتها على التعبير عن إرادة مواطنيها، وفي البحرين كشفت الحرب أن الشرعية القائمة تستند إلى توازنات خارجية أكثر مما تستند إلى عقد داخلي، وهذا ما يجعل أي تغير في البيئة الإقليمية قادراً على زعزعة الاستقرار.
وفي خلفية كل ذلك يبرز سؤال الدولة الحديثة؛ هل يمكن لدولة أن تستمر من دون مؤسسات تمثيلية حقيقية أو توزيع عادل للسلطة أو اعتراف متبادل بين السلطة والمجتمع؟
الدولة الحديثة ليست جهازاً أمنياً، بل بنية سياسية تقوم على المشاركة والمساءلة والحقوق. وعندما تُختزل الدولة في وظيفتها الأمنية تفقد قدرتها على إنتاج ولاء سياسي وتتحول إلى كيان يحتاج دائماً إلى دعم خارجي ليحافظ على توازنه.
اللحظة البحرينية اليوم ليست لحظة أزمة فقط، بل لحظة إمكان، فالأحداث الإقليمية كشفت حدود النموذج القائم، لكنها فتحت أيضاً باباً لإعادة التفكير في أسس الدولة.
إعادة بناء الشرعية يحتاج إلى اعتراف متبادل لا إلى قوة، والعقد الاجتماعي يحتاج إلى فضاء تشاركي لا إلى غرف مغلقة، وإعادة تعريف السيادة يحتاج إلى تمكين المجتمع لا إلى توسيع التحالفات.
البحرين أمام فرصة لإعادة تأسيس علاقتها بمواطنيها عبر إطلاق سراح المعتقلين وإعادة الجنسيات وفتح المجال العام والاتفاق على دستور عقدي جديد يعبّر عن إرادة جماعية لا عن توازنات ظرفية. هذه ليست مطالب سياسية فحسب، بل شروط أولية لولادة دولة حديثة قادرة على مواجهة العالم من موقع السيادة لا التبعية ومن موقع الشرعية لا القوة، فالحدث الإقليمي لم يصنع الأزمة البحرينية، لكنه كشف عن بنيتها الهشة.
واليوم يقف المواطن البحريني أمام سؤال يتجاوز السياسة اليومية وهو كيف تُبنى دولة حديثة في مجتمع لم يُمنح بعد فرصة صياغة عقده السياسي؟
الإجابة عن هذا السؤال هو ما سيحدد ما إذا كانت هذه اللحظة بداية انهيار أم بداية تأسيس جديد لدولة حديثة.
- 2026-03-26رغم الوضع الخطير والحساس: نفتقد رجال الدولة
- 2026-03-26إلى عبد النبي الشعلة.. تعلّم من شيعة لبنان
- 2026-03-23هذا ما تحتاجه النيابة العامة البحرينية لتلتحق بالموساد!
- 2026-03-06دماء "ميناب" في رقبة المنامة: عندما تصبح البحرين منصة لقتل الأطفال
- 2026-03-02ميزان الوطنية خلال الحرب: نحن الوطنيون وأنتم الخونة