خطاب الملك : إلغاء الدولة
عبدالله الصايغ - 2026-05-02 - 10:29 م
مرآة البحرين: يكشف بيان ملك البحرين الأخير، في أبرز دلالاته، عن خطابٍ يلغي الدولة ويُجهز على ما تبقى منها، من خلال حصر السلطات والمؤسسات والآراء في رأي واحد هو ( لا أريكم إلا ما أرى )، بما يجعله بياناً خارج السياق الطبيعي لرئيس دولة شكلاً ومضموناً.
رافق الخطاب طلب رسمي من وسائل الإعلام والنخب الحكومية ونواب السلطة ووزرائها وكل من يعمل ضمن مؤسساتها بإطلاق مواقف تأييد وتضخيم للبيان الصادر عن الملك، ولوحظ وجود نوع من التهديد لمن يمتنع عن دعم البيان، مع استجداء للحالة الشعبية بضرورة التفاعل مع الخطاب وتأييده.
البيان طغت عليه سمة بارزة تتمثل في إلغاء الدولة من خلال تحييد السلطات وتهميش المؤسسات الرسمية بشكل كامل، وهو ما كشف الحقيقة المخفية لسنوات، فهذه المؤسسات والسلطات ليست صاحبة رأي وقرار.
الدول لها أركان ومقومات تتشكل في السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية )، وتحكم هذه السلطات علاقة تقوم على الفصل بينهم، ومنع تغول أي سلطة على الأخرى، وهذا الفصل وعدم التداخل وعدم تسيد سلطة على الأخرى هو ما يشكل الضمانة لاستقرار الدولة وقيام نظام حكم متوازن، يحفظ كيان الدولة وسلامة نظامها، ويوازن الحقوق والواجبات فيها، وهو ما يوّلد الثقة والاطمئنان لدى أبنائها ورعاياها.
ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية سلب أهم الحقوق الأصيلة للمواطنين وهو حق المواطنة، من خلال إخضاعه لمزاج وانفعال أي مسئول في السلطة التنفيذية، بحيث يقرر مصير عوائل بأكملها، مع إمكانية رميها خارج الحدود بسبب أو من دون سبب، أو اعتمادًا على وهم أو خيال.
البيان الملكي عمل على إقصاء السلطة القضائية وعزلها عن الاحتكام في قضايا إسقاط جنسيات المواطنين وإبعادها عن المشهد بشكل تام، رغم أن السلطة القضائية لا تتمتع بالاستقلالية الكاملة، وليست صاحبة قرار خارج الأجواء المحكومة ملكياً، فالملك هو من يترأس السلطة القضائية، ولكن بدا له أن القرارات المرتبطة بإسقاط الجنسيات قد تتعثر في أي مسار قضائي لافتقادها للمقومات والأسس القانونية السليمة.
في قبال ذلك، لجأ الملك إلى محاولة تحجيم السلطة التشريعية عبر استباق جلسة مجلس النواب الأسبوعية بإصدار مرسوم بإسقاط جنسية 69 مواطنًا، ثم الإيعاز للنواب بتمرير التعديلات المقترحة على قانون الجنسية. كانت رغبة الملك إقرار التعديلات بإجماع جميع النواب، لكن تعثر ذلك دفعه لمعاقبة النواب الثلاثة الذين كسروا الإجماع واعتبارهم خونة ومتآمرين يعملون خلاف مصلحة البحرين، لتبدأ محاكمتهم من قبل بقية أعضاء مجلس النواب ووسائل الإعلام والمسئولين في الدولة.
في الخلاصة، بيان الملك ألغى دور السلطتين القضائية والتشريعية معًا، وحصر القرار في مجموعة من المتنفذين المتربعين على أجهزة الأمن، والذين قادوا البلاد نحو الفوضى وعبثوا باستقرارها منذ ١٥ عاماً، وأصبح المشهد الوطني يدار عبر الوشاة والذباب الإلكتروني، حيث يقررون مصير المواطن العادي وحتى مصير النواب، عبر اختيار نوع التهمة ثم إصدار الحكم إما بالسجن أو سحب الجنسية والتهجير!
سيسجل التاريخ أنه، وبعد ٢٦ عاماً من وصول الملك إلى سدة الحكم، أقدم بجرّة قلم على إلغاء الدستور، وجمّد السلطات والمؤسسات، ليعيد البلاد إلى العصور الوسطى.