الشيخ سعيد المادح لـ”مرآة البحرين”: أُقلدُ من لا يقول بـ"ولاية الفقيه المطلقة" لكني متهم بتنظيم يُجبر الناس على تبنيها
2026-05-25 - 6:12 م
خاص بـ «مرآة البحرين» : على خلفية الأحداث المتسارعة في الساحة البحرينية، حاورنا سماحة الشيخ سعيد المادح، أحد العلماء المدرجين ضمن ما يسمى "خلية ولاية الفقيه"، لنستوضح منه ماهية "ولاية الفقيه" التي حولها النظام البحريني فجأة لاتهام يبرر حملة أمنية شرسة على عموم المجتمع الشيعي، استهدفت أبرز علماءه ومؤسساته وشعائره، وسألناه عن تداخل ولاء الشيعة لوطنهم وولائهم لمراجعهم الدينية، وحول الموقف من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران والقواعد الأجنبية المتواجدة في البحرين.
#المحور الأول: ولاية الفقيه والتشيع والولاء:
- ما هي ولاية الفقيه؟ وما هو تاريخ ولاية الفقيه لدى الشيعة؟
ج: ولاية الفقيه تعني أن للفقيه سلطة شرعية وتصُّرف في أمر المُولّى عليهم من الأمة الإسلامية، ويُشترط في الفقيه هنا مواصفات أهمها أن يكون عادلًا عالمًا بالأحكام الشرعية.
وحدود هذه السلطة متفاوتة في رأي الفقهاء، فهناك من يراها مطلقة، بحيث تشمل صلاحيات الإمام المعصوم في الحكومة الاسلامية، وهناك من يرى اقتصارها على حدود مخصوصة تعرف بين الفقهاء بمصطلح (الأمور الحسبية) وهي الأمور التي يعلم أن الله تعالى لا يرضى بتركها من دون ولي يرعى شؤونها كأموال اليتامى.
أما تاريخ المسألة فيبدأ من مرحلة غياب المعصوم عن الحكم المباشر للأمة، ففي فترة وجود النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لا تكون الولاية لغيره طبعًا، ثم في حال حضور الإمام المعصوم فأيضا لا ولاية لغير الإمام، لكن الكلام في فترة غيبة الإمام يأتي السؤال: هل يُترك أمر الأمة ورعاية شؤونها بلا حاكم؟ ومن هو هذا الحاكم وما مواصفاته وما حدود صلاحياته؟ هنا يبدأ البحث العلمي، فالمذهب السني طرح نظرية الشورى بعد رحيل النبي مباشرة، وأما الشيعة فلم يحتاجوا لنظرية بعد رحيل النبي لعدم وجود فراغ في خلافته، إلى أن كانت غيبة الإمام الثاني عشر، الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه الشريف فيما يعرف بالغيبة الكبرى، أي قبل ألف و 118 سنة بالتحديد، هنا نعتقد نحن الشيعة أن الإمام قد عيّن الفقهاء ضمن مواصفات محددة ليكونوا نوابًا عامين عنه في رعاية شؤون الأمة التي تتطلب وليًا يتولى أمرها، وهنا بالتحديد بدأ تفعيل (ولاية الفقيه) وتنصيب الفقيه كولي شرعي معيّن من قبل الإمام المعصوم في زمان غيبته عجل الله فرجه الشريف، وكان من أوائل الفقهاء في تلك الفترة شيخي الطائفة المفيد والطوسي رضوان الله عليهما.
- هل الاعتقاد بولاية الفقيه تهمة؟ هل تشكل خطراً على الحكومات؟ ولماذا يرى النظام البحريني أنها تشكل تهديداً أمنياً؟
ج: ولاية الفقيه كانت موجودة طوال التاريخ ولم تشكل تهديدًا للحكومات الإسلامية ولا غيرها، وحتى بعد أن قامت الجمهورية الاسلامية في إيران على مبدأ ولاية الفقيه لم تعتدِ على أي بلد أو حكومة أخرى، بل كانت منذ نشوئها تتعرض للعدوان المستمر وتدافع عن نفسها، ابتداء من العدوان البعثي الصدامي الذي ساندته دول الخليج وأمريكا بكل قوة ولمدة ثمان سنوات، ثم لما اعتدى عليهم صدام واحتل الكويت وأطلق الصواريخ على البحرين والخليج وحول سماءنا إلى سحابة سوداء بعد أن أحرق نفط الكويت، حينها أدركت هذه الحكومات كم كانت مستغفلة وحمقاء، فراحت تهرول نحو الجمهورية الإسلامية وقد وصلت العلاقة معها الى أعلى المستويات آنذاك، ولكن مع الأسف نجدها اليوم تعيد نفس الخطأ وكما يقول أبو الطيب المتنبي: لكل داء دواء يُستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها.
هذه الحكومات في الواقع تعيش عقدة الخوف من زوالها لأنها لا تمتلك شرعية شعبية حقيقية، ولذلك تعتمد في وجودها على أمريكا ومؤخرًا على إسرائيل أيضًا، ولذلك فهي تدور في فلكهما ويكون عدوها هو عبارة عن عدو أمريكا واسرائيل، وهنا تكمن المعضلة، فولاية الفقيه في الواقع إنما تعادي أعداء الإسلام والمسلمين وعلى رأسهم إسرائيل وأمريكا، ولا تعادي حكومات وبلدان المسلمين بل تمد لهم يد الأخوة وتدعوهم للوحدة ضد العدو الحقيقي، ولكن ماذا تصنع حين لا تميز هذه الحكومات عدوها من صديقها، وتكرر الخطأ مرة بعد الأخرى، حتما ستتوجس أمنيًا وستصارع الطواحين التي لا وجود لها إلا في مخيلتها.
- استعداء فكرة ولاية الفقيه يهدف لفصل شيعة البحرين عن فقهاء إيران، أم أن المستهدف هو علاقة شيعة البحرين بجميع الفقهاء؟
ج: أعتقد ان النظام في البحرين وبقية دول الخليج يعمل ضمن استراتيجيات سياسية رسمتها أمريكا للمنطقة (وفق مصالحها هي واسرائيل وحسب، وليس وفق مصالح المنطقة ودولها وشعوبها)، وهي استراتيجيات مبنية على أساس أن الشيعة يمثلون الخطر الأول على مصالحهم في نهب ثروات المنطقة والهيمنة عليها، ولذلك لابد من تدمير نقاط قوتهم وتجفيف منابع فكرهم وعقيدتهم وعلى رأسها عقيدتهم في المرجعية والثورة الحسينية والإمام المنتظر المهدي، المطلوب لديهم إعادة انتاج للشيعة وفق مواصفات خاصة وتدجين مدروس بحيث يتحول الشيعي إلى كائن يخدم مصالحهم ولا يشكل خطرا على تسلطهم على ثروات المنطقة وخيراتها، كما أن لديهم أيضًا مشروع موازي يستهدف الطائفة السنية، والآن تركيا وباكستان يتوجسون من ذلك.
فاستهداف ولاية الفقيه هو في الحقيقة خطوة على هذا المسار الذي ينتهي بفصل الشيعة في العالم -وليس في خصوص البحرين فقط- عن جميع مراجعهم العظام سواء في قم أو النجف، وأما تركيزهم الآن على المرجعية التي تقول بولاية الفقيه المطلقة فما هو إلا هدف مرحلي تكتيكي مكشوف، فالقضية أعمق من ذلك بكثير.
- عمليًا.. هل هناك إجبار على تبني فكر ولاية الفقيه في البحرين؟
ج: طبعا أنت تقصد ولاية الفقيه (المطلقة) وليس أصل ولاية الفقيه، وإلا فالشيعة كلهم -تبعًا لمراجعهم- يؤمنون بمبدأ (ولاية الفقيه)، ولا يوجد أحد من الشيعة لا يؤمن بها حتى يتم إجباره على تبني فكرها.
أما ولاية الفقيه (المطلقة)، فأنا أقلد من لا يقول بإطلاقها، لكني متهم اليوم بأنني ضمن تنظيم يُجبر الناس على تبني فكر ولاية الفقيه المطلقة، هذه التهمة ساخرة في الواقع، وتعبر عن إفلاس لا يستحق المناقشة.
ولاية الفقيه سواء المطلقة أو المقيدة كلاهما رأي شرعي اجتهادي يحظى بالقدسية الدينية والاحترام بين جميع الفقهاء ومقلديهم، ولا توجد مشكلة إلا في مخيلة هذه الحكومات البوليسية التي تذكرنا بمحاكم التفتيش.
مذهب أهل البيت عليهم السلام قائم على فتح باب الاجتهاد الفقهي والاختلاف في الفتاوى، وهذه المسألة واحدة من مئات المسائل التي يختلف مراجعنا فيها، وليس من ديننا ومذهبنا أن تُفرض الاجتهادات على من لا يقول بها، بل هذا ديدن غيرنا من الحكومات التي تفرض قناعاتها علينا وإن خالفت مذهبنا ومعتقدنا.
أسألكم بالله، من الذي يُجبر الناس على تقديم الولاء له بالترهيب وبث أجواء الخوف والرعب في التلفزيون، وفي إجراءات سحب الجنسية وغيرها؟! ومما يضحك الثكلى أن يُرغَم الفقراء على نشر (بوست) الولاء ودفع ثمنه الذي يصل إلى ثلاثين دينار للنشر الالكتروني وخمسين دينار للنشر بالصحافة. هذا الإكراه للناس وللفقراء على (ولاية الملك الشمولية المطلقة) والمتاجرة بالولاء بهذه الصورة الفجّه ماذا نسميه؟!
- كيف كان وضع العلاقة بين السلطة والشيعة قبل تأسيس الجمهورية الإسلامية منذ 47 سنة؟
ج: لا يختلف عن وضع العلاقة اليوم إذا لم يكن أشد سوءًا.
كان الشيعة مستخدمون ضمن نظام السُخرة والاضطهاد وسلب الحقوق، وسياسة الإفقار والبطالة وتدني الأجور والتمييز الطائفي والوظيفي، وكل لعنة من لعنات التاريخ الأسود الذي عاشه أجدادنا منذ بداية احتلال آل خليفة لأرضنا ونهبهم لثرواتنا وسحقهم لكرامتنا. واليوم زاد على ذلك التردي الاقتصادي والسياسي والحقوقي مشاريع التجنيس، والتطبيع مع إسرائيل، ومؤخرًا التحالف مع الأعداء في الحرب على جيراننا المسلمين، مما يجعل أمننا وكل وطننا في مهب الريح!
- هل الجمهورية الإسلامية تتبنى فكرة تصدير الثورة للبحرين؟
ج: لاحظ، النظام في البحرين يعطي نفسه حجمًا أكبر من مقاسه! إيران لو أرادت التدخل في البحرين فهي ليست بحاجة إلى استيراد ولا تصدير، ولاهم يحزنون، يكفي أن تقول للنظام أخرج من هذه الأرض ونمهلك ظرف نصف ساعة فقط، ولن تجد لهذا النظام أي أثر !
الجمهورية الاسلامية ليست بحاجة لتوجع رأسها بتصدير الثورة للبحرين، بل على العكس، تاريخها شاهد منذ تأسيسها على يد الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية وصولًا إلى الإمامين الخامنائيين، بأنها على الدوام تتعامل مع البحرين كبلد إسلامي جار لها، بل كأخ يحظى بالمحبوبية الخاصة؛ نظرًا لاشتراك الشعب معها في الدين والعقيدة.
وأما إذا كان المقصود من تصدير الثورة هو التبادل الفكري والثقافي فهذا أمر طبيعي جدًا بين كل البشر، فهل تستطيع أن تمنع الأفكار من التصدير إلى بيتك فضلا عن وطنك، خصوصًا في زمن الثورة المعلوماتية؟!
- علاقة الولاء للسلطة عند الشيعة تشكل هاجسًا لدى الحكومات، فما هي رؤية الشيعة في ولاءهم للسلطات الحاكمة على مر العصور؟
ج: الولاء معناه المحبة والطاعة والنصرة، وهذه الأمور لا تحصل من فراغ، فالسلطة التي تريد محبة الناس ونصرتهم وطاعتهم عليها أن تؤدي حقوقهم وتلتزم بواجباتها تجاههم، أما أن جنابك تضطهد الناس وتسلبهم حقوقهم وتدوس كرامتهم وتستهدف دينهم وتجرم معتقداتهم ثم تطالبهم بمحبتك وموالاتك، بل ترغمهم على الولاء وإلا سلبت جنسيتهم وسجنتهم، وإذا ما كفروا بك وبولائك خونتهم وتوجست من عدم ولائهم لك.. اسمح لي أن أسألك: هل أنت في كامل قواك العقلية؟! بالتأكيد عليك أن تتوجس!!
فهذه الهواجس في الواقع نشأت عبر التاريخ من اضطهاد الحكومات للشيعة، وإلا فالشيعة لا مشكلة في مذهبهم من التعايش مع الحكومات وتقديم النصرة والمحبة والولاء لما يصدر منها من أحكام عادلة، ومساع لإحقاق الحق، وإرساء الأمان، وخدمة الناس، وصون ثرواتهم، ومصالحهم، وغير ذلك مما فرضه الله تعالى والإسلام على الحاكم تجاه المحكومين.
وتاريخ الشيعة شاهد منذ زمن الأئمة المعصومين وإلى يومنا؛ فمثلًا، رغم أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليهما السلام) كان معارضًا، ويرى الحكم حقًا ثابتًا له، إلا أنه قال مقولته الشهيرة: (لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين، مالم أعلم فيها ظلمٌ إلاّ عليَّ خاصة)، وهكذا بقية الأئمة الطاهرين لم يُحدثوا في كل يوم ثورة لمجرد أن الحكومة غير شرعية، نعم كانت ثورة الامام الحسين عليه السلام حيث شكلت حكومة يزيد لعنه الله تهديدًا وجوديًا للإسلام، فهنا الحكم يختلف. والشيعة على هذا النهج كانوا ولازالوا على طول الخط، مسالمين ما سلمت أمور المسلمين.
وأما اعتراضهم على ظلم الحكومات ومطالبتهم بحقوقهم المشروعة فهم كبقية الناس، فهل في ذلك خطأ ما؟! وهل يستدعي التوجس من قِبَل السلطة والتربُّص بنا ليل نهار؟!!
هذا من الحق الطبيعي لجميع المواطنين، ومن يتوجس عليه أن يعالج نفسه عند طبيب نفساني ولا يشغلنا بأمراضه.
- ما هو معنى أن ولاء الشيعة لمرجعياتهم التي تكون خارج بلدانهم؟ وهل هذه حالة خاصة بالشيعة؟
ج: الولاء للمرجعية الدينية خارج حدود الوطن لا يختص بالشيعة، بل هو موجود في كل أتباع الديانات والمذاهب، من دون تدخل الدول المتحضرة بل لا تعارضه حتى أكثر الدول تخلفًا، فهل سمعتم بحكومة لديها ذرة من العقل تعارض ولاء أهل السنة للأزهر الشريف، أو ولاء المسيحيين للكنيسة الأم خارج حدود بلدانهم؟! هذه القضية لا تقبل النقاش أصلًا، لا عُرفًا ولا قانونًا؛ فكل الدساتير الحديثة تضمن الحرية الدينية، والانتماء والولاء للمرجعيات الدينية. فتلك العصور الوسطى التي تلاحق السلطة فيها ما يضمره الناس من معتقدات، وتقيم محاكم التفتيش عليها، قد ولَّت بلا رجعة، نعم بعض الأنظمة المتخلّفة تريد أن تعود بعجلة التاريخ للوراء ولكنها عبثا تحاول.
ولاء الشيعة لمرجعياتهم الدينية يعد من أرقى أنواع الإنتماء والولاء حضارية، وندّعي أننا قدوة لكل الأمم في ذلك؛ فالنظام الاسلامي في عقيدتنا هو أرقى نظام على الإطلاق، وهذه المسألة واحدة من مسائله الأرقى، فولاؤنا للمرجعية منسجم بدقة مع جميع حقوق وواجبات المكلف تجاه وطنه، حتى بلاد الكفار!
فمثلًا، يفتي السيد السيستاني أحد أكابر مراجعنا المعاصرين بلزوم الالتزام بالقوانين في بلاد الكفر التي تزورها؛ لأن التأشيرة التي تأخذها تشتمل ضمنا على إعطائهم الأمان من طرفك، فيحرم عليك الغدر ونقض الأمان الذي تعهدت به.. ماذا تعني هذه الفتوى؟ يعني هذا دين بينك وبين الله تعالى، تلتزم به كما تصلي وتصوم، وتلتزم به حتى من دون الحاجة إلى رقيب أو حسيب، فأنت كشيعي تعتقد أن الرقيب هنا هو الله بعظمته، هل اتضح مستوى الرقيّ الحضاري في مذهبنا؟ هذا هو ولاء الشيعة للمرجعية ومخرجاته.
المواطنون في تلك الدول لا تجد عندهم من يلتزم بالقانون إلى هذا الحدّ وبهذه الروحية والمسؤولية العالية. بلدان تدعي التحضّر مثل الولايات المتحدة تقدس القانون وتعبده من دون الله تعالى، إلا أنه لو انقطعت الكهرباء عنها ليلة واحدة لما بقي فيها مكان لم يتعرض للسرقة والجريمة.
- هل لدى السلطة مشكلة مع مرجعية محددة؟ كمرجعية الولي الفقيه في إيران دون غيره؟
ج: الإنصاف مطلوب حتى مع من نخاصمه، لذلك أقول أن السلطة في ظروف السلم كانت لا تتعامل مع مرجعية الإمام الراحل الخامنائي (قدس الله نفسه الزكية) كمرجع تقليد بحساسية مفرطة، ولا حتى مع نظرية ولاية الفقيه. ولكن في الأزمات، وخصوصًا ظروف الحرب الأخيرة، بالغت لحد الفجور في الخصومة. وهذا شاهد على أن ولاية الفقيه، ومرجعية الإمام الخامنائي، لم تكن يومًا تشكل خطرًا حقيقيًا، وإلا لم يُسمح برواجها حتى في ظروف السلم، ولم يُسمح ببيع صوره وكتبه في الأسواق بتاتًا. ولكنها المناكفات السياسية، والهواجس والأوهام التي ترافق الأزمات في العادة، فتصنع من الخيالات حقيقة!
#المحور الثاني: استهداف الشيعة
- اعتقال النظام لأكثر 41 عالم من علماء الشيعة مثّل صدمة للطائفة، كيف تقرأ الخطوة؟
ج: التوصيف الدقيق بدون أي مبالغة هو (إعلان حرب على الشيعة في البحرين) وليس له تفسير آخر، ونعتبر علماءنا (أسرى حرب) في الواقع. هؤلاء الأفاضل يمثلون كبار علمائنا والصف الأول من القادة لغالبية الطائفة الشيعية، ويحترمهم بقية الشيعة الذين لا يتبعونهم فكريًا، فهم موضع احترام كل الطائفة، بل حتى البقية من شركاء الوطن. وهذا الأمر تدركه السلطة بكل وضوح ومع ذلك أقدمت عليه؛ وهذا يدل على أن لديها مشروع حرب شاملة و(تطهير طائفي)، وقد أعلن وزير الداخلية وأوضح مفاصل استهدافاته بكل صراحة.
- هل كل هؤلاء العلماء ينتمون إلى مرجعية الولي الفقيه، أو ينتمون له فكرياً؟
ج: لا أعرف سوى واحد منهم كان مقلدًا للمرجع الخامنائي (قدس الله نفسه الزكية)، ولكن بالتأكيد غالبيتهم يرجعون إلى فقهاء آخرين، كالمرجع الخوئي والمرجع السيستاني وربما المرجع الشيخ حسين العصفور (رحم الله الماضين وأطال في عمر الباقين). ليس لدي اطلاع دقيق فهذه من المسائل الشخصية التي لا نهتم بها أصلًا.
أما مسألة الانتماء الفكري للولي الفقيه الامام الخامنائي فتستطيع أن تقول أن جميع مراجعنا العظام لهم تأثير فكري علينا كأتباع لأهل البيت (عليهم السلام)؛ حيث أمرنا أئمتنا بالإلتفاف حول الفقهاء، والإستنارة بأنوارهم، والإهتداء بهديهم جميعًا. ولقد ورد في الروايات الشريفة أنهم (ورثة الأنبياء)؛ ونحن كما لا نفرِّق بين أحد من أنبياء الله ورسله، ونستنير بكلام موسى وعيسى وكلام نبينا الخاتم المصطفى (على نبينا وآله وعليهما السلام)، فكذلك لا نفرِّق بين أحد من الفقهاء، ونستنير بهم جميعًا، ومنهم الإمام الخامنائي (قدس الله نفسه الزكية).
- ما هو المجلس العلمائي؟ وما هي أدواره؟ ولماذا يُستهدف أعضائه؟ ولماذا تم حلّه؟
ج: المجلس العلمائي مؤسسة تُعنى بالتبليغ الإسلامي الذي هو الوظيفة الشرعية لعلماء الدين، ويضم في عضويته غالبية علماء الطائفة الشيعية في البحرين، وأدواره هي نفسها أدوار عالم الدين من تبليغ رسالات الله وتعليم الأحكام الشرعية، وطباعة الكتب، والإصدارات الدينية...الخ، وكل نشاطاته موثقة ومنشورة في موقعه الالكتروني الرسمي.
أما عن استهدافه، ولماذا تم حلُّه، فالجواب موجود في (تقرير البندر) الذي كشف عن مخطط حكومي خبيث، يستهدف إضعاف الطائفة الشيعية في البحرين، وطمس هويتها، وتجفيف منابع قوتها، والتسلط على كل شؤونها الدينية، وهو مخطط مفصّل ومنشور، ويستطيع كل شخص الاطلاع عليه عبر شبكة الإنترنت.
- هل يعتبر هذا الاعتقال امتدادًا لإسقاط جنسية آية الله قاسم ومحاكمته عام 2016م؟
ج: كما تقدم هناك مخطط مدروس لدى السلطة وقد كشف عنه تقرير البندر، والسلطة تستغل كل فرصة للإسراع في تنفيذ هذا المخطط، وهذا الاعتقال الظالم هو في الواقع استثمار للفرصة التي وفرتها لهم أجواء الحرب العدوانية على إيران.
- النظام يدّعي أن المجلس العلمائي والعلماء يمارسون الوصاية على الشيعة في البحرين، فما مدى صحة دعوى ممارسة العلماء المعتقلين للوصاية على باقي العلماء والخطباء والرواديد وسائر أطياف الشيعة؟
ج: الوصاية هي الهيمنة والتسلط، والعلماء والمجلس العلمائي ليس بيدهم قضاء ولا سلطة، ولا عساكر تهدد الناس بالسجن، وتسحب جنسياتهم، وتهددهم بالطرد من أوطانهم حال عدم الخضوع، فهذه كانت ولازالت أفعال غيرنا.
أما العلماء سواء في المجلس العلمائي أو خارجه فسيرتهم من سيرة سادتهم وأئمتهم أهل البيت عليهم السلام؛ التي كانت طوال التاريخ مبنية على الحب العميق بين المؤمنين، والخدمة الخالصة التي لا يراد منها سوى وجه الله تعالى، وطلب قربه ورضاه عزّ اسمه.
هذا الأساس الصلب في العلاقة الإيمانية الاجتماعية طبعا هو نتاج الاستجابة لأوامر الله تعالى، وأوامر نبي الرحمة وآله الطاهرين، لذلك تجد العلاقة متينة بين العلماء أنفسهم، وكذلك بينهم وبين عموم الناس، هذه العلاقة الصلبة المتبادلة تخيف المتربصين سوءاً بهذا الشعب، فلابد من دقّ إسفين الفرقة بينهم؛ وفي هذا السياق تأتي هذه التهمة الفارغة من أي محتوى وهي تهمة (الوصاية).
- ما الذي يعني عرض صور العلماء المعتقلون موزعون على أغلب جغرافيا الوطن؟
ج: يعني أن الحرب شاملة، وهو نوع من الترهيب لكل المناطق وكل الشعب، وبث شعور عام بأن كل المساجد والحسينيات والمؤسسات التي تضمها هذه المناطق هي ضمن بنك الأهداف لهذه الحرب الشاملة، وأنَّ على الشعب أن يخاف ويخشى من شرٍّ مستطير. ولكن نعتقد أن هذه الحماقة ستأتي بنتائج عكسية تمامًا؛ حيث أن الانفجار الشعبي إذا حصل هذه المرة فسيكون شاملًا أيضا، وخارجًا عن السيطرة بعد اعتقال العلماء الذين كانوا على الدوام كوابح تمنع الانفلات.
ثم إن هؤلاء العلماء تربطهم علاقات عميقة جدًا بمناطقهم، والشعور بالظلم والقهر لدى الناس والمساس بكرامتهم الدينية في هذا الموضوع ترك هوّة ساحقة عميقة ويجب أن تخشى السلطة الوقوع في جحيمها.
- ما هو جوابكم على دعوى السلطة بوجود مكونات شيعية لا تستهدفهم، بل تدعي الدفاع عنهم وحمايتهم من الاضطهاد والاقصاء؟
ج: هذا تلاعب مفضوح، ومحاولة مكشوفة لبث الفرقة والفتنة بين المؤمنين، والمؤمنون أوعى بكثير من الوقوع في هذه اللعبة الصبيانية.
- بالنسبة لشعيرة الخُمس، ما الذي تريده السلطة بالتحديد بالنسبة لأصل العمل بها، ومن ناحية إجراءات تطبيقها؟
ج: هي خطوة ضمن مخطط إضعاف الطائفة الشيعية وتجفيف منابع قوتها؛ من أجل إحكام التسلط على جميع شؤونها، وتدجينها، وإعادة إنتاج الشيعة وفق مقاسات ومواصفات تم تحديدها في مطابخ السياسة الاستكبارية والطاغوتية.
#المحور الثالث: الحرب على ايران
- ما هي رؤية علماء البحرين بالنسبة للحرب على الجمهورية؟
هي حرب على الإسلام، وتستهدف إسقاط عمود خيمة الاسلام. وإن الدفاع عن عمود الخيمة وما يصطلح عليه في الفقه بـ(بيضة الاسلام) هو واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة أينما كان. ولست هنا لأبرز فتوى فقهائنا خاصة بل هذه الفتوى يجمع عليها جميع المسلمين، وهي من بديهيات الفقه الشرعي الاسلامي.
- هل التعاطف مع الجمهورية في الحرب راجع للنزعة الطائفية والانتماء المذهبي؟
ج: لا أبدًا، ليست نزعة طائفية ولا مذهبية، فالجمهورية الإسلامية إنما تحارب إسرائيل وأمريكا، فهي ليست حربًا شيعية سنية، هذا التعاطف راجع حقيقة إلى حب الإسلام، والحب لكل من يدافع بصدق عن الإسلام، ويحمي المسلمين الذين يُذبحون على يد العدو الصهيوأمريكي في غزة وفلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن وأفغانستان وكل مكان، لم نجد من يدافع بحق وصدق عن المستضعفين والمسلمين سوى هذه الجمهورية المباركة.
- كيف تفسر فرحة شرائح من الناس بضرب مواقع في البحرين؟ وهل هذا الأمر خاص بالشيعة أو البحرين فقط؟
ج: لا، هذا الأمر ليس خاصًا بالشيعة ولا خاصًا بالبحرين وحسب، فليس الشيعة وحدهم أعداء أمريكا واسرائيل. ومن حق شعب البحرين كله أن يفرح بضرب القواعد الأمريكية ومصالحها في البحرين، هذه القواعد التي إنما أنشأت لحماية إسرائيل وليس لحماية هذه الأنظمة والحكومات في الواقع فضلًا عن حماية شعوب المنطقة، وحيث لم تفلح هذه القواعد في الدفاع عن نفسها والدفاع عن غيرها هرب الجنود الأمريكان إلى الفنادق والجحور وتركوا هذه الحكومات لتستقبل الضربات بالنيابة عنهم بدلًا من أن يحموها!! فكانت متراسا يختبيء خلفه العدو، فأمريكا أخفت أصولها المالية في شركات البحرين، وأخفت جنودها في فنادق البحرين ومنشآتها المدنية، وهذا النظام الخائن وفَّر كل أرض البحرين ومياهها وسماءها ومرافقها المدنية لخدمة العدو، ولتأمين الدعم اللوجستي لعدوانه الآثم على الجمهورية الاسلامية. والشعب يدرك جيدا هذه الحقائق، ويعلم من هو المستهدف من تلك الصواريخ والمسيرات الإيرانية لذلك يفرحون؛ لأنها إنما تستهدف عدونا وعدوهم. ولكن طبعًا النظام الخائن وعملاءه الخونة لا يسرّهم ذلك، فهي تضرب عمالتهم وتضرب أسيادهم ومصالح أربابهم.
- كيف تبرر وقوع ضحايا وخسائر مدنية نتيجة الصواريخ الإيرانية سواء بالمباشرة أو من خلال محاولة التصدي لها؟
ج: أولاً هذه حرب وليست نزهة، الجمهورية تدافع عن نفسها ووجودها أمام جيشين من أقوى الجيوش، وتدعمهما أنظمة الخليج بمختلف أشكال الدعم، حيث حوّلت هذه الأنظمة الخائنة والعميلة والمنفصلة عن إرادة الشعوب وعن مصالح الأوطان، حوّلت أراضينا وما عليها من بشر وحجر ومنشآت إلى ساحة حرب مفتوحة، من خلال نشر الجنود الأمريكان ومصالح أمريكا في كل مكان.. ولكن مع كل ذلك، كانت الجمهورية الإسلامية بقيادة الولي الفقيه العالم التقيّ حريصة غاية الحرص على أرواح المدنيين ومصالحهم؛ ففي حرب بهذا الحجم وفي مساحة مفتوحة ومكتظة بالمدنيين المحيطين بالأهداف العسكرية المطلوبة لم يسجل في مثل البحرين سوى حوادث مؤسفة محدودة.
لا يمكن أن تكون حرب من دون أن يتطاير شررها ويصيب الأبرياء، والمجرم هنا هو ذلك النظام الذي أقحم وطننا في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
ونسأل في المقابل: كيف يبرِّر هذا النظام الارهابي في البحرين مساندته لعدوان وحرب افتتحوها بقتل قرابة 200 طفلة بريئة بصواريخ دقيقة موجهة نحو مدرسة (ميناب)، وسمعت أنها انطلقت من منصات النظام الإرهابي في البحرين!! هذا النظام المجرم سيدفع قريبا جدًا بإذن الله تعالى ثمن إجرامه بحق وطننا البحرين، وثمن اعتدائه على جيراننا المسلمين، وثمن عمالته لعدونا إسرائيل، نحن على أعتاب مرحلة حاسمة من تأديب هذا النظام المتغطرس بإذن الله تعالى.
- تدعي السلطة أن الاتفاقيات مع مثل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، كاتفاقية ابراهام، هي حق سيادي للدولة وللنظام، تناظر اتفاقية النبي (ص) مع اليهود في المدينة. ما هو تعليقك على ذلك؟
ج: أضحكني حقاً قولهم (حق سيادي)، فهل لديهم سيادة أمام أمريكا؟! عمومًا هؤلاء المنافقون يكذبون كما كان أسلافهم يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله، ويتآمرون مع مشركي قريش واليهود ضد الإسلام، وكذلك هم اليوم على نفس النهج، وكما يقال: (القوم أبناء القوم).
المهم، ما يعرف تاريخيا بـ(وثيقة المدينة) وهي معاهدة أبرمها رسول الله صلى الله عليه وآله في بداية هجرته للمدينة بين المسلمين واليهود، هذه الوثيقة تدين حكومات النفاق الخليجي التي تستضيف العدو الحربي الكافر، وتقيم اتفاقات التطبيع والتآمر معه على الإسلام والمسماة بـ(اتفاقية ابراهام)، نعم الوثيقة تدينهم بكل صراحة ووضوح؛ حيث ينص أحد بنودها على التالي: "وإنَّهُ لا تُجَارُ قريشٌ ولا مَنْ نَصَرَهَا": يعني لا أحد من طرفي الاتفاق والمعاهدة يستضيف أو يُجير عدوّ الإسلام قريش، بل لا يجير من ينصُر عدوّ الإسلام!! تفضلوا يا (سادة) واعقدوا اتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية على: (إنَّهُ لا تُجَارُ اسرائيل وَلا مَنْ نَصَرَهَا)، ونحن نبصم بالعشر معكم على هذه المعاهدة!!!
أين انتم وأين رسول الله الأعظم يا بؤساء يا منافقين.. رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أقام دولة في المدينة ذات سيادة لا يجرؤ طغاة اليهود ولا عتاة قريش على مجرد الدنوّ منها فضلًا عن التفكير بإقامة قواعد عسكرية استعمارية فيها لتنطلق منها الصواريخ لضرب أوطان المسلمين وذبح المسلمين في اليمن والعراق وغزة وإيران.. فعن أيّ سيادة تتحدثون؟!
-انتهى-
- 2025-12-04مجيد ميلاد لـ "مرآة البحرين": المشهد السياسي في البحرين محاصر .. والإصلاح ضمانة للاستقرار لا تهديد له
- 2025-11-15غسّان بن جدو لـ”مرآة البحرين” : شريف عبّر عن نبض الجماهير العربية ولم يُسِئ لبلده يومًا
- 2025-10-01من على متن أسطول الصمود.. الناشط محمد عبد الله لــ"مرآة البحرين": الشعوب تتحرك حين تنام الحكومات
- 2025-08-25سيد جميل كاظم لـ”مرآة البحرين”: لا تنمية مع نصف وطن ونصفه الآخر مهمش
- 2025-07-31إبراهيم شريف لـ”مرآة البحرين”: لا إصلاح اقتصادي دون مساءلة سياسية.. والمواطن أصبح ممولًا للحكومة بلا تمثيل