الدولة تستكمل حربها على الشيعة: الأوقاف اليوم وعاشوراء غدًا

مبنى إدارة الأوقاف الجعفرية
مبنى إدارة الأوقاف الجعفرية

2026-05-26 - 1:02 م

مرآة البحرين: القضاء على الهوية الشيعية الأصيلة في البحرين ليس تُهمةً تُوجّه إلى النظام الحاكم، بل هو مشروعٌ خطير يجري تنفيذه على الأرض بلا تردّد. هذا هو الواقع الذي يعيشه أبناء الطائفة جراء خطوات مُتلاحقة وسريعة جدًا تُقدم عليها السلطة يوميًا. لم تعد المسألة محطّ شُبهة، وتكذيب المشروع عبر ترداد لازمة أن الدولة تعتمد الانفتاح والتعايش مع الآخر والديمقراطية مبادئ لسياستها في الداخل، أصبح مسرحية فاشلة لا تُحقّق هدفها.

في جديد الإجراءات المتّخذة من قبل حمد بن عيسى مباشرة، إلغاء مجلسي الأوقاف السنية والجعفرية وإدارتيهما وإنشاء مجلس للأوقاف برئاسة وزير.

الإجراء لا يمكن فصله عن سلسلة القرارات التي تستهدف الطائفة وشؤونها في الآونة الأخيرة. حصار أبنائها، تخوينهم والنيْل من كرامتهم، إسقاط جنسياتهم، مُلاحقتهم في عقيدتهم الدينية، سجن علمائهم البارزين، حرمانهم من ممارسة شعائرهم الممتدة إلى عقود طويلة في البحرين.

لعلّ أخطر ما في القرار ليس بُعده الإداري أو التنظيمي كما تحاول السلطة تسويقه، بل رمزيّته السياسية والدينية العميقة. حين تُنزع عن الأوقاف الجعفرية إدارتها من بيئتها الطبيعية وتوضع تحت وصاية مباشرة من الدولة ووزير تابع للسلطة التنفيذية، فإن الرسالة تصبح واضحة: لا استقلالية لأيّ شأن شيعي، حتى في أكثر الملفات ارتباطًا بالعقيدة والخصوصية الدينية، حتى لو كانت هذه الأوقاف تمثّل مصالح الدولة وتسير بسياساتها.

هذا التحوّل لا يمكن قراءته إلا ضمن مشروع متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل البحرين وفق مقاس سياسي وطائفي محدّد، تكون فيه الطائفة الشيعية مجرّد جماعة مُراقبة ومُحاصرة، لا شريكًا أصيلًا في الوطن. المسألة لم تعد تقتصر على التضييق الأمني أو الخطاب التحريضي في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة تفكيك الشؤون الوقفية للطائفة، وإخضاعها بالكامل لإرادة السلطة.

منذ سنوات، والبحريني الشيعي يعيش تحت ضغط دائم: إن عبّر عن رأيه اتُّهم بالخيانة، وإن تمسّك بعقيدته وطقوسه وُضع تحت المراقبة، وإن طالب بحقوقه المدنية والسياسية صار هدفًا للملاحقة والتشهير. واليوم، يأتي استهداف الأوقاف ليؤكّد أن المشروع دخل مرحلة أكثر وضوحًا، عنوانها السيطرة الكاملة على الشأن الديني الشيعي وتجريده من أي قدرة مستقلة على إدارة نفسه.

السلطة التي تدّعي الدفاع عن التعايش لا تتعامل مع الشيعة بوصفهم مكوّنًا وطنيًا متساويًا، بل باعتبارهم مشكلة أمنية يجب ضبطها باستمرار. ولذلك، فإن كلّ ما يمتّ بصلة إلى هويتهم يُنظر إليه بعين الريبة: العلماء، المآتم، الشعائر، الخطباء، الأوقاف، وحتى المناسبات الدينية التي عاشتها البحرين لعقود طويلة دون أن تهدّد أحدًا.

ماذا بعد؟ ثمّة من يرى أن الدولة ستزيد من مستوى تصعيدها ضدّ الطائفة ولن تكتفي بما سلف من قرارات. وأكثر السيناريوهات الخطيرة استهداف موسم عاشوراء المقبل. لن نشهد حصارًا للمواكب والمآتم الكبرى أو حتى الصغرى وفقط، بل إن الدولة ستسعى إلى التخلّص من الصورة العاشورائية التي يُجسّدها الشيعة كلّ عام على خريطة الإحياءات في الدول الإسلامية، فشيعة البحرين تميّزوا في الإحياء المنظّم للعزاء الحسيني الشامل، من فعاليات على الطرقات، ومواكب، ومجالس عزاء مكثّفة، وغزارة في الإنتاج الفني والشعري سنويًا. هذه الصورة باتت محطّ إزعاج للدولة التي ضاقت ذرعًا بها. بدل أن تعمل على تقديم التسهيلات أكثر لها أو على الأقلّ تستفيد من نشاطها و"نجومية الموسم السنوي"، تزداد المخاوف من تشديد تدخّلها عبر التضييق على خروج المواكب الحسينية كما هو معتاد في مساراتها المعروفة خارج المآتم، وخنق الإحياءات الجماهيرية الكبرى.

وعليه، لم يعد السؤال اليوم عمّا إذا كانت هناك حرب على الوجود الشيعي في البحرين، بل إلى أيّ مدى يمكن أن تذهب السلطة في هذا المسار المفتوح على مزيد من التصعيد؟