الأموال الشرعية.. آخر عناوين الحرب على العلماء وذِمَمهم!

2026-06-06 - 3:24 ص

مرآة البحرين: في سياق الحرب العلنية على كلّ ما يخصّ الطائفة الشيعية في البحرين وعقيدتها، ركّزت أجهزة السلطة مؤخرًا على تجريم إحدى الفرائض الشرعية الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية، وهي الخُمس، والذي يُعدّ أحد أشكال الزكاة المعروفة في الفقه الإسلامي.

فقبل أيام أعلنت النيابة العامة عن جانب من تحرياتها المزعومة حول قضية العلماء الـ41، وكشفت عن قيامهم "بجمع أموال" و "تحويل بعضها إلى إيران والعراق ولبنان"، وكأن السلطة قد اكتشفت سرًا مخفيًا!

فريضة الخُمس التي تُعد من أهم مميزات المذهب الشيعي منذ فجر الإسلام، والتي تبحث كتب الفقه الشيعي أحكامها ومصارفها، ويعمل بها جميع شيعة العالم، أصبحت في ليلة وضحاها تهمة عند نظام آل خليفة.

يحارُ المتابع في وصف السلوك الرسمي في ضرب كل ما يتعلق بالشيعة، في حين يجند إعلامه في التأكيد على رعاية الملك وحكومته للشيعة وشعائرهم. النظام الذي امتدت يده مؤخرًا على أوقاف الشيعة عبر إلغاء مجلس الأوقاف الجعفرية المعني بإدارتها، يسعى للسيطرة على أموال الخُمس والتحكم بمصارفه الشرعية، فربما ظنَّ الحاكم نفسه وليًا على دين الشيعة بدلًا من فقهائهم، خصوصًا بعدما أكثرَ هو ومأجوروه من الإساءة لفكرة "ولاية الفقيه" سعيًا لتجريمها.

ولتبرير استهداف فريضة الخمس، اتهمت وزارة الداخلية وفرعها الآخر، النيابة العامة، العلماء بما يسيء لإدارتهم لمسألة الأموال الشرعية، بدءًا بربطها بـ"تأجيج الشارع وارتكاب الأعمال الإرهابية والشغب والتخريب"، وإرسال جزء من الأموال إلى دول "لدعم وتمويل منظمات إرهابية هناك"، ولإكمال التشكيك في نزاهة العلماء، ادّعت تحريات الأمن "انتفاع واستفادة بعض المتهمين مما جمعوه من أموال في شئونهم الخاصة وتدبير احتياجاتهم الشخصية ومنها شراء مصوغات ذهبية وعقارات وسيارات وسداد التكاليف الدراسية لأبنائهم".

أمام هذه الاتهامات، يُخيّلُ لمن هم خارج البيئة الشيعية أن العلماء يمتلكون أجهزة أمنية وسلطات تحكم بها الأتباع وتلزمهم بدفع أموالهم عنوة. فكرة مليئة بالغباء والجهل بطبيعة علاقة الناس بمن يأتمونهم على دينهم، سواء كانوا في البحرين أو خارجها، وهي علاقة يفخر بها الشيعة ويعلنونها رغم تشويش النظام وتحريضه.

أما استعانة الإعلام الرسمي بشخصيات شيعية كعضو مجلس الشورى علي الحداد، للتطاول وكيل الاتهامات البشعة بحقّ المؤتَمنين على الحقوق الشرعية الخاصة بأبناء الطائفة، فلا تعدو كونها محاولة لتسويق روايته. فالحداد وهو أحد المستفيدين من عطاءات السلطة ادّعى كذبًا أنّ "أموال الخمس لا تذهب إلى مستحقيها بل تتراكم، بينما يعاني المحتاجون من الفقر والعوز". تصريحٌ بمقاس "ما يطلبه المشاهدون"، للإسهام في تثبيت ما يعمل عليه النظام في الفترة الأخيرة من شيطنة النشاط العلمائي.
وللوصول للهدف الأخير يُضيف الحداد أن "الرقابة المستمرة قادرة على حماية المجتمع وتخفيف معاناة الكثير من الأسر، إلى جانب حماية البعض من الانزلاق في قضايا قانونية. الحاجة قائمة اليوم لتفعيل المتابعة والرقابة الجادة على عمليات جمع الأموال".

بات التطفّل على شؤون الخمس والزكاة وحتى الصدقات وربّما النذورات مما يشغل النظام الحاكم الذي يوعز بعض الأصوات لتناولها وإطلاق اتهامات باطلة وضعيفة التبرير لإدانة عمل العلماء أولًا على صعيد نشاطهم التبليغي، وثانيًا على صعيد صرف الأموال الشرعية التي هي اختصاصهم حصرًا، لا اختصاص أجير لدى الحكم.

تبحث الدولة اليوم في أدقّ التفاصيل المرتبطة بالشأن الشيعي، محاولةً استغلال أيّ مدخل للإساءة المتعمّدة إلى سمعة علماء الدين وتشويه صورتهم والنيل من مكانتهم ورمزيتهم الاجتماعية. غير أنّ هذه المساعي تبقى عبثية، فهؤلاء العلماء هم أبناء المجتمع نفسه، ومن خِيرته، ويحظون بثقته واحترامه، والجمهور أعلم من الحكومة بمستوى معيشة هؤلاء وما يملكون وحجم ما يتركون لأبنائهم بعد رحيلهم عن هذه الدنيا.