انتزاع الولاء.. ماذا يقول علم الاجتماع السياسي؟

2026-06-11 - 2:58 ص

مرآة البحرين: حفلة انتزاع الولاء المكتوب الجارية اليوم في البحرين لم تشهدها أيٌّ من الدول الحضارية. الإعلام المحلي يعلن عن أرقام تارة، وتارة أخرى يعلن عن تمديد فترة التوقيعات التي تُبايع الملك. المشهد السريالي هذا يتوسّع مع نشر أخبار عن عائلات تؤكد ولاءها لآل خليفة حصرًا، بموازاة تدشين نواب منصّة الكترونية لتأكيد الولاء والتأييد للحاكم الأعلى، وتنظيم مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة لحفلات توقيع لموظفيها، وصولًا الى الطلب من رياض الأطفال زرع الفكرة بين الصغار وترديد كلمات الولاء للملك. السؤال لماذا هذا كلّه؟ والسؤال الأدقّ لماذا تحتاج بعض الأنظمة السياسية إلى هذا النوع من الولاء؟

المنطق والعقل يقولان عندما تكون الدولة واثقة من شرعيتها، فإنها لا تحتاج إلى إجبار مواطنيها على إعلان الولاء لها. يكفيها أن تحكم وفق القانون وأن تترك للناس حرية التعبير عن تأييدهم أو اعتراضهم. لكن في المقابل، توجد أنظمة سياسية لا تكتفي بطاعة المواطنين للقوانين، بل تسعى إلى انتزاع الولاء منهم بصورة مستمرة، عبر الترهيب أو التهديد أو فرض مظاهر التأييد العلني.

علم النفس السياسي وعلم الاجتماع السياسي يقدّمان إجابة واضحة عن هذا السؤال، إذ يُشيران إلى أنه كلما شعرت السلطة بعدم اليقين تجاه شرعيتها أو تجاه علاقتها بالمجتمع، ازداد احتياجها إلى إظهار الولاء الجماهيري بصورة علنية ومتكررة.

الأنظمة الشمولية والخوف الجماعي
الفيلسوفة السياسية حنة آرندت (منظرة سياسية علمانية ألمانية أميركية)، في دراستها الشهيرة حول الأنظمة الشمولية، فرّقت بين السلطة التي تكتفي بخضوع المواطنين للقانون، والسلطة التي تسعى إلى السيطرة على عقولهم ومشاعرهم وهوياتهم، فالأنظمة الشمولية لا تريد مجرد الطاعة، بل تريد أن يتحوّل المواطن إلى مؤيّد دائم ومستعد لإظهار ولائه في كل مناسبة.
وترى آرندت أن هذه الأنظمة تعتمد على العزلة الاجتماعية والخوف الجماعي لتسهيل عملية إخضاع الأفراد وإدماجهم في مشروع السلطة.

تعبئة الناس سياسيًا باستمرار
عالم الاجتماع والسياسة خوان لينز (إسباني من أصل ألماني) يذهب إلى فكرة مُشابهة عندما يوضح أن بعض الأنظمة السلطوية تكتفي بصمت المجتمع، بينما تسعى الأنظمة الأكثر تشددًا إلى تعبئة الناس سياسيًا بصورة مستمرة، بحيث يصبح الولاء العلني جزءًا من الحياة اليومية. فالمطلوب هنا ليس الامتثال فقط، بل المشاركة في إنتاج صورة جماعية تؤكد أن الجميع مؤيدون للسلطة.

تقديس السلطة
على الصعيد النفسي، جرى تحليل أنماط التفكير التي تجعل الأفراد أكثر قابلية للخضوع للسلطة وأكثر ميلًا إلى اعتبار الطاعة قيمة عليا، وذلك في كتاب "الشخصية السلطوية"، الذي أعده فريق من الباحثين بقيادة الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو. وتوصّل الباحثون إلى أن البيئة القائمة على العقاب والخوف تدفع بعض الأفراد إلى تقديس السلطة والنظر إليها باعتبارها مصدرًا للأمان والنظام.

وتدعم أبحاثٌ أخرى هذه الفكرة، فقد أظهرت مراجعة علمية حديثة في مجلة Nature Reviews Psychology (متخصصة في علم النفس في بريطانيا) أن الشعور بالتهديد وانعدام الأمان يدفع قطاعات من الناس إلى تبنّي مواقف أكثر سلطوية والبحث عن قيادات قوية توفر لهم الإحساس بالحماية والاستقرار. كما تؤكد الدراسة أن الخوف وعدم اليقين يمثّلان بيئة خصبة لازدهار النزعات السلطوية.

ما تقدّم يقودنا إلى القول إن ما تشهده البحرين مؤخرًا يبدو مثالًا عمليًا على هذه الظاهرة، فالحملة الواسعة لتوقيع "وثائق الولاء والتأييد" للملك لم تقتصر على مبادرات فردية أو شعبية، بل امتدت إلى مؤسسات وشركات وهيئات مختلفة، في مشهد بدا وكأنه استفتاء على الولاء السياسي بالإكراه.

إذًا، لا يمكن النظر إلى حملة الولاء في البحرين باعتبارها مجرد نشاط بروتوكولي. إنها تعكس منطقًا سياسيًا أعمق يقوم على البحث المستمر عن الطاعة المعلنة والولاء. وهذا بالضبط ما تحدثت عنه حنة آرندت وغيرها من منظري الأنظمة السلطوية: السلطة التي لا تكتفي باحترام القانون، بل تريد أن ترى الولاء مكتوبًا وموقّعًا ومعلنًا أمام الجميع.

وعليه، الأنظمة الواثقة تطلب من الناس الالتزام بالقانون، أما الأنظمة القلقة فتطلب منهم، إضافة إلى ذلك، إثبات محبّتهم لها بصورة متكررة. وفي حالة البحرين كلّ شيء بات واضحًا وفاقعًا: أعلن ولاءك أو تحمّل العواقب!