اختطاف الشعار.. «هيهات منا الذلة» نموذجًا
محمد منصور - 2026-06-15 - 4:26 ص
مرآة البحرين: ليس أشد قبحًا من أن تُصادر حرية الإنسان وإرادته، وأن يُزجّ به خلف القضبان، أو يُدفع إلى المنفى بعيدًا عن وطنه، أو تُقيّد قدرته على العيش الكريم عبر إضعاف مؤسساته ومصادر رزقه. والأشد مرارة من ذلك أن يُدفع تدريجيًا إلى الاغتراب عن ذاته، حتى يفقد شيئًا من إنسانيته، ويُدفع نحو خيارات متطرفة لم يكن ليختارها لولا ما تعرض له من ظلم وإقصاء.
ومع ذلك، فإن أبهى صور الجمال الإنساني تتجلى حين يتمسك هذا الإنسان المقهور بقيم التسامح والمسالمة، ويجد في العفو والصفح قوةً لا ضعفًا، وفي التعايش مع شريك الوطن خيارًا أصيلًا لا تكتيكًا عابرًا. إنها أخلاق الكرام الذين يواجهون الإساءة بالإحسان، ويقولون للآخر: سلامًا سلامًا، رغم ما يتعرضون له من تهميش وإنكار واستلاب لحقوقهم الأصيلة.
ورغم كل هذه المعاناة، يظل هذا الإنسان ثابتًا في أرضه، راسخًا في انتمائه، لا ينكسر أمام الضغوط ولا يتلاشى تحت وطأة الحصار. يستمد قوته من تاريخه ومن إرث أجداده الذين أتقنوا قول «لا» في وجه الظلم، مؤكدًا أن الانتماء إلى الوطن ليس منحة تُسحب، بل حق لا يسقط مهما اشتدت محاولات الإقصاء.
ولم تتوقف محاولات المصادرة عند الحقوق والحريات، بل امتدت إلى الرموز والشعارات التي تشكل جزءًا من الهوية والوعي الجمعي. ومن أبرز تلك الشعارات شعار «هيهات منا الذلة»، الذي لا يمثل مجرد عبارة عاطفية أو موقفًا سياسيًا عابرًا، بل يعبر عن منظومة قيمية وعقدية متجذرة في وجدان المؤمنين، بوصفه صادرًا عن الإمام الحسين (ع)، الذي ما زالت قضيته حية في ضمير محبيه عبر القرون.
إن «هيهات منا الذلة» ليس شعارًا قابلًا للاختطاف أو إعادة التوظيف وفق الأهواء السياسية، لأنه قبل كل شيء تعبير عن الكرامة الإنسانية ورفض الخضوع للظلم. وقد تحول عبر الزمن إلى جزء من الوعي الديني والثقافي لملايين الناس، يستلهمون منه معنى العزة والثبات في مواجهة القهر.
ومع ذلك، سعت بعض أدوات السلطة إلى ربط هذا الشعار بثقافة الإرهاب والتطرف، في محاولة لتجريدِه من معناه الحقيقي وتشويه دلالاته الأصيلة. وهي محاولة لا تمثل اعتداءً على شعار فحسب، بل تمسّ تراثًا دينيًا وروحيًا متصلًا بالرسول وآله عليهم السلام. والأخطر من ذلك أنها تكشف عن ذهنية ترى في كل ما لا يخضع لسلطانها مصدرًا للريبة والاستهداف، حتى لو كان من أقدس الرموز وأعمقها حضورًا في وجدان الناس.
ولهذا يبقى شعار «هيهات منا الذلة» عصيًا على المصادرة، لأنه لم يولد في أروقة السياسة، بل في ساحة التضحية والكرامة. وما كان متجذرًا في العقيدة والوجدان لا يمكن نزعه بقرار، ولا تشويهه بحملة، ولا مصادرته بقوة.