"ملحمة الصمود الوطني".. مشاريع تُرضي نرجسية السلطة!

2026-06-25 - 5:16 ص

مرآة البحرين: آخر الإبداعات المُسجّلة في البحرين ملحمة الصمود الوطني. يظنّ المرء للوهلة الأولى أنها مزحة، لكنها حقيقة، فالملك أصدر أمرًا بإنشاء وتشكيل لجنة توثيق ملحمة الصمود الوطني، مهّمتها "رصد وتوثيق الاعتداءات الإيرانية التي واجهتها مملكة البحرين"، وفق ما جاء حرفيًا في القرار الرسمي.

اللجنة مؤلّفة من ممثلين عن الديوان الملكي، قوة دفاع البحرين، وزارة الداخلية. وزارة الخارجية، وزارة شؤون مجلس الوزراء، وزارة التربية والتعليم، وزارة الإعلام، مركز البحرين للدراسات الإستراتيجية والدولية والطاقة "دراسات"، مركز الاتصال الوطني، مركز الأرشيف الوطني

كلّ هؤلاء لا يكفون للمهمّة، إذ يُشير الأمر الملكي الى أن اللجنة تستطيع أن تستعين بمن تراه من الخبراء والمختصين لمعاونتها في إنجاز أعمالها.

أهداف عمل اللجنة محدّدة طبعًا في "الأمر السامي"، إذ يجدر بها أن تعزّز مفهوم الذاكرة الوطنية المؤسسية وتعمل على ترسيخ سردية وطنية موثقة تعكس وحدة القيادة والشعب في مواجهة التحديات، وعلى رصد وتوثيق كافة أشكال الصمود والدفاع والتكاتف المؤسسي والمجتمعي، وعلى إعداد سجل وطني رسمي يوثق هذه الملحمة الوطنية المثبتة بالحقائق والأدلة وإيداعها ضمن منظومة الأرشيف الوطني وفق المعايير المعتمدة.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن حين الاطلاع على القرار إلى متى ستبقى مسرحية السلطة وإنجازاتها وصمودها المزعوم مستمرة؟ السؤال الآخر الذي يحضر سريعًا أين الصمود؟ هل فعلًا تسمّي الدولة خوفها ورعبها وخشيتها من الصواريخ الإيرانية التي كانت تسقط على أهداف أمريكية صمودًا وبطولة؟ هل الصمود والشجاعة أن تُحوّل البلاد إلى قاعدة أمريكية قابلة للاشتعال في أيّة لحظة جراء مشاريع الحرب والتوسّع والسيطرة التي تعمل عليها الولايات المتحدة وحليفتها "إسرائيل"؟

إذا أردنا أن نتكلّم بمنطق العقل والحكمة، يمكن طرح سؤال على من خطر بباله إطلاق هذا المشروع: لماذا تكتفي الدولة بجانب واحد إذا كانت تنوي توثيق الذاكرة الوطنية كما تقول؟ لماذا لا تُنشئ لجنة موازية لتوثيق عدد المرات التي تجاهلت فيها السلطة آراء المواطنين واعتراضاتهم؟ ولماذا لا يُفتح أرشيف خاص يوثّق عشرات السنوات التي عبّر فيها البحرينيون عن مواقفهم من السياسات العامة، قبل أن تُعامل تلك المواقف وكأنها رسائل ضائعة في صندوق بريد مهجور؟

وإذا كانت الغاية تسجيل الوقائع للأجيال المقبلة، فربما يجدر توثيق كم مرّة رفضت قطاعات واسعة من الشعب تحويل البلاد إلى منصّة متقدمة لمشاريع الصراعات الإقليمية والدولية، وكم مرّة عبّر المواطنون عن خشيتهم من جرّ البحرين إلى محاور وحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. تلك أيضًا جزء من الذاكرة الوطنية، أليس كذلك؟

الملاحم الوطنية لا تُكتب بمرسوم ملكي، بل تُقاس بمدى قدرة الناس على التعبير الحر عن آرائهم ومدى استعداد السلطة للإصغاء إليها. أمّا تغييب الخلافات السياسية والتباينات المجتمعية عن الرواية الرسمية، ثم إعلان انتصار الوحدة الوطنية، فهو تزييف فاقع للحقيقة والواقع.

ملحمة الصمود الوطني ليست سوى عنوان مبالغ فيه لمشروع استعراضي ضخم. فبدل أن تنشغل الدولة بمعالجة أسباب الانقسام أو مراجعة السياسات التي عمّقت الفجوة بينها وبين جزء واسع من المجتمع خلال الحرب الأخيرة، اختارت أن تؤسّس لجنة لتوثيق بطولة مكتملة العناصر، كتبت نصّها مسبقًا، ووزعت أدوار أبطالها مسبقًا، ولم يتبقَ سوى جمع الوثائق التي تؤكد أن الرواية الرسمية كانت محقة دائمًا، وأن الشعب كان موافقًا دائمًا.

وعلى ما يبدو المشاريع الرسمية في البحرين تتكاثر. كلّ مرحلة تحمل معها عنوانًا جديدًا وشعارًا جديدًا ولجنة جديدة. مرّة للحوار، ومرّة للتسامح، ومرّة للتعايش، ومرّة للهوية الوطنية، وها نحن اليوم أمام لجنة لتوثيق ملحمة الصمود الوطني. أمّا النتائج الملموسة على أرض الواقع، فتبدو دائمًا أقل حماسة من العناوين الرنّانة التي تُرضي نرجسية الملك وتزيّن حُكمه.