تقرير "رويترز" يُغضب الملك.. رعبٌ من سيناريو يُقلق الدولة
2026-06-27 - 8:21 م
مرآة البحرين: فجأة أصبحت وكالة "رويترز" بنظر صحافة البلاط في البحرين غير مهنية. السبب تقرير لم يرُق لوجهة نظر الدولة وأبواقها. يورد التقرير الذي عنونته الوكالة "روبيو سيبحث مخاوف الحلفاء بالخليج من الاتفاق الأمريكي مع إيران"، فقرة جاء فيها حرفيًا: "يقول محللون إن القيادة البحرينية التي يغلب عليها السنة تشعر بقلق شديد من أن حصول إيران على تمويل كاف قد يشعل انتفاضة بين سكان الدولة الذين ينتمي معظمهم إلى الطائفة الشيعية. وخلال انتفاضات الربيع العربي، شهدت البحرين، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 1.65 مليون نسمة، احتجاجات حاشدة ومتكررة في الشوارع".
على الفور، تلقّفت صحيفة الأيام، والمستشار الاعلامي للملك حمد بن عيسى، الفقرة الخاصة بالبحرين وسطّرت بيانًا ردّت فيه على مضمون التقرير، معتبرة إيّاه مسيئًا، وقالت إن "الوكالة تُحمل القيادة البحرينية دون دليل مسؤولية "القلق" من تمويل خارجي بهدف إشعال اضطرابات بين فئات الداخل"، وتضيف "إن ما ورد في التقرير هو تحويل البحرين إلى "معادلة طائفية" بدل دولة ومؤسسات، وما ورد في التقرير يختزل أن مملكة البحرين وبشكل مسيء وحاقد وكأنها دولة تُدار داخل إطار طائفي لا داخل إطار وطني مؤسّسي.. هذا اختزال مُتعمد يسيء للمجتمع البحريني، ويتجاوز حقيقة أن البحرين وطنٌ واحد يقوم على المواطنة والقانون والحقوق والواجبات. والأخطر أن التقرير لا يكتفي بوصف واقع اجتماعي، بل يتجاوز ذلك إلى اتهام ضمني بأن "السيناريو" المتخيّل قائم على قدرات خارجية لخلق اضطرابات داخلية.. وهذه قفزة اتهامية لا تُبنى على تحقق، بل على فرضيات لخدمة رواية مُسبقة وتجاهل متعمّد لمواقف البحرين الوطنية". وتردف "التقرير يتعامل مع البحرين وكأنها ساحة قابلة للانفجار".
واتهمت الصحيفة الوكالة بأنها "تُرسّخ خطاب الكراهية بتأطير داخلي للبحرين وبمنطق اتهامي مسبق.. وهذا يمسّ البحرين مباشرة، ويستدعي إنصافًا صحفيًا لا يلوّن ملفًا سياديًا بمقولات عامة غير دقيقة، وتختم وكأنها تتكلّم باسم حاكم البلاد: "البحرين ترفض فيها الإساءة السردية".
إذًا نحن أمام ردّ يعكس فعلًا قلق السلطة من تحليل صحافي، نقله مستشار الملك الخاص. خشية جليّة من سيناريو يُرعب الدولة ولو مرّ كفكرة في تقرير صحافي في وكالة عالمية معتدّ بها. سيناريو تتحرّك فيه إيران في البحرين، وفق أدبيات السلطة. وكأنّ التقرير عبّر عن كارثة بنظر بيت الحُكم، فهذا يعني أن رغم كلّ البطولات المزعومة والتصدّي للصواريخ الإيرانية في الحرب الأخيرة، البحرين ترتجف من احتمال ورد في "رويترز" من إمكانية أن تقدم إيران على شيء ما ينسف سردية تعمل الدولة على بنائها والتحشيد لها منذ ثلاثة أشهر.
ثمّة من قرأ في ردّة فعل صحيفة الملك على التقرير، إضافة لبيانات وتصريحات استنكارية أخرى نشرتها الصحافة الرسمية، رُعبًا من أن تقلب إيران الطاولة على كلّ الجهود التي بذلها الملك والحرب الأمنية المسعورة التي جنح إليها حمايةً لحكمه.
المٌضحك في الردّ المكتوب بعناية صحافية تدّعي المثالية أنه يحتوي على مفردات تُعتبر تهمًا توجه إلى السلطة نفسها: خطاب الكراهية.. الإساءة السردية.. إنصافًا صحفيًا". كلّ هذه العبارات تفنّنت السلطة في اتباعها فكانت "مبدعة" في اعتماد خطاب كراهية علني لفئة ومكوّن أساسي في البلد وهم الشيعة، وعملت ما أمكنها من أجل استهداف وجوده بما أنها عاجزة عن استهداف إيران. كذلك تشهد جمعيات حقوق الإنسان والمراقبون الحقوقيون الدوليون كيف أن البحرين لا تؤمن بالإنصاف كقاعدة للعمل الصحافي على أراضيها، بل تسير وفق رؤيتها الخاصة وتختصر الواقع البحريني السياسي والاجتماعي والديني والحقوقي والاقتصادي بوجهة نظرها هي، وتقدّمها على أنها واحدة لا شريك لها في المشهد.
السلطة التي تثور غضبًا من توصيف وكالة دولية لواقع البحرين، لا تجد حرجًا في بناء سياساتها الأمنية والإعلامية طوال السنوات الماضية على الأساس نفسه الذي تدّعي رفضه. فمن الذي حوّل البحرين إلى ملف طائفي في نظر العالم؟ هل هي "رويترز" التي نقلت قراءة محللين، أم السلطة التي لم تتوقف منذ عام 2011 عن ربط الاحتجاجات والاعتراض السياسي والهوية المذهبية والنشاط الديني بإيران؟
الاعتراض الحقيقي على التقرير لا يبدو موجّهًا إلى خطأ مزعوم، بقدر ما هو اعتراض على انعكاس صورة تحاول الدولة منع الآخرين من رؤيتها. حين تتحدث صحيفة مقرّبة من القصر عن "الوطن الواحد" و"المواطنة" و"الحقوق والواجبات"، فإن السؤال البديهي يصبح: لماذا لا تنعكس هذه الشعارات على الواقع؟ ولماذا ما زالت المنظمات الحقوقية الدولية تتحدث عن التمييز السياسي والديني، وعن التضييق على الحريات العامة، وعن استهداف المعارضة ورجال الدين والمؤسسات الدينية؟
وعليه، بدا بيان صحيفة الأيام أقرب إلى اعتراف غير مقصود منه إلى ردّ مهني. اعترافٌ بأن شبح الداخل ما زال يؤرق الحكم أكثر من أيّ تهديد خارجي، وأن هاجس فقدان السيطرة على السردية السياسية لا يقل خطورة في نظره عن أي تحدٍّ أمني آخر. بعد 15 عامًا من القبضة الأمنية المشدّدة، ما زالت السلطة تتعامل مع أيّة إشارة إلى هشاشة الوضع الداخلي بوصفها خطرًا وجوديًا يستوجب التعبئة والرد والاستنفار. وهذه الحقيقة وحدها كافية لفهم سبب الغضب من تقرير لم يفعل أكثر من نقل ما يتداوله محللون ومراقبون منذ سنوات.
- 2026-06-25"ملحمة الصمود الوطني".. مشاريع تُرضي نرجسية السلطة!
- 2026-06-23عاشوراء في البحرين: صراع الذاكرة في مواجهة تحولات الهوية
- 2026-06-22"اللي متضايق يخبّر.. لازم الناس تحسّ أنهم أحرار"
- 2026-06-21ليلة في موكب عزاء ممنوع
- 2026-06-21الشهيد والثورة: كيف أعاد هادي المدرسي قراءة كربلاء بوصفها مشروعاً للتغيير؟