كيف نقاوم؟
إبراهيم علي - 2026-07-15 - 9:24 م
مرآة البحرين: ليست هذه لحظة تمنحنا رفاهية التفكير في كيفية مواجهة التحديات الأمنية وأساليب القمع والإبادة، فها نحن الآن في قلب العاصفة، نقاوم يميناً ويساراً ومن أمامنا ومن خلفنا، بينما تتوجّه لنا الضربات من كلّ جانب، في محاولة قاسية وشديدة تريد أن تقصم ظهرنا بشكلٍ نهائي، علّها تستغلّ هذه الفرصة التاريخية من ظروف المنطقة لتوجيه هذه الضربة القاضية، الأمر الذي يثير فينا قوة المدافعة، والخروج من أمام الثور الهائج.
في الهدف النهائي، تريد السلطة تشيُّعاً من دون حمولة هوياتية علوية أو حسينية، ثورية أو معارضاتية أو ما شابه ذلك، يكفي عنوان التشيّع نفسه لإكمال مشهديّة التنوع الديني التي تريد تسويقها، وهذا بالضبط ما دعاها لاعتقال العلماء وتغييبهم عن الساحة، عندما مثّل وزير الداخلية راشد آل خليفة هذه الخطوة بتحرير الشيعة، إذ كان يقصد تحريرهم من هويتهم وفقههم الذي يُحرّم عليهم الركون للظلم والتماهي معه.
بعيداً عن توصيف الأمر، فالصورة واضحة وقد أُشبعت تحليلاً من قبل الكتّاب والمدوّنين، ومن الجيّد الآن الالتفات إلى أدوات المقاومة، خصوصاً في ظلّ استخدام السلطة لكافّة أساليب الترهيب وتصعيد الكلفة على الناس كأفراد، وعلى المجتمع بصورة عامة، ونشوء فئة من الطفيليين الانهزاميين للقيام بمهمّة تهوين الأمور وإلقاء اللوم على الضحايا والتشنيع على أساليب العمل وتثبيط الناس وتخنيعهم، في تخادم بين الطرفين -أي السلطة وهؤلاء- لتمرير ما أشرنا له من هدف نهائي للسلطة.
موضوعياً، لا يتعلّق الأمر بما تثيره السلطة من قنابل دخانية هنا وهناك للتعمية على واقع الأمر، فليست القضية هي قضية ولاية الفقيه ولا قضية تخابر، والمشروع المُعدّ منذ زمن طويل هو كما قلنا تشيّع بلا تشيّع، أي مجرّداً من هويته الأصلية في معارضة الحكام الجائرين، وهي الهوية التي عُرف بها على مرّ التاريخ، وقد ارتبطت بالمذهب حتى صار من الصعب التفريق بينهما، وربما ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن سبب تسمية الشيعة بالرافضية ترجع إلى هذا الأمر، أي أنهم رفضوا كلّ ظلم وبغي وغصب.
أقول لا يتعلّق الأمر بما يُثار، ويُراد كذلك إشغال الساحة بدهاليز الدفاع القانوني والإدانات الحقوقية الفارغة، ومن ثم توجيه الصراع إلى هذا النوع من رد الفعل السياسي البارد، للوصول إلى نوع من ضبط الإيقاع العام، والذهاب بالساحة إلى الاسترخاء والركود مجدداً، في حالة من النأي بالنفس الجماعية، وتطويع هذا الإيقاع إلى الحدّ الذي يخلق حالة من الاستيعاب العام للضربة، وامتصاص حالة الغضب، وانصراف الناس إلى أحوالهم.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن المقاومة حتميّاً، فلا سبيل أمام الغريق سوى البحث عمّا يُنجيه، والمقاومة هي هذا، هي طوق النجاة، ومن دونها يعني أن نحكم على أنفسنا بالموت، ونستسلم للموجة الجارفة. المقاومة هنا نوع من عدم الرضوخ، الصمود أمام الوحش، لصدّ تقدّمه الجنوني، ولفرض التراجع عليه.
يريد النظام لنا أن نبقى تحت أصول اللعبة وقواعد التوازن، دون أن نملك أيّ وسائل للمواجهة، خصوصاً في ظلّ رفعه للكلفة الشخصية والجماعية، وحتى على مستوى الاعتزال الشعوري والسياسي، حيث يذهب من خلال مواقع هيمنته على المؤسسات الأهلية إلى تضخيم اللاأبالية الاجتماعية، وتزييف المشهد العام، واختلاق هذه الحالة لمضاعفة الحرب النفسية على المجتمع، وتسجيل النقاط عليه، بشكلٍ يوحي وكأنّ المجتمع يغرق في اهتماماته الرياضية والترفيهية، ولا يكترث لاستفحال حالة الظلم، ويذهب إلى جانب ذلك إلى تصدير الوجوه المهزوزة في المجتمع لكسر أي حالة اعتزالية سلبية تجاه النظام، وهي أدنى حالات المقاومة التي يمكن تفعيلها.
على مستوى الهوية، يمتلك الشيعي مخزوناً وافراً من مفردات الصمود والمقاومة، بل قام تاريخ أئمته (ع) على هذا الأمر أساساً، وإلى جانب استهداف رؤوسه بالقتل والتسميم والسجن وما شابه ذلك، اختبر الشيعي هو كذلك التقتيل على الهوية والصلب والملاحقات والتشريد وأشد حالات التنكيل والعذاب، ومن المهم الآن في ظل هذه الظروف القائمة، استدعاء هذا المخزون للمحافظة على التماسك، والثبات على الموقف الأخلاقي، والتأسّي بالقادة الإلهيين الهداة.
أما سؤال "كيف نقاوم" فيستدعي الإجابة المفتوحة، ما دام هدف السلطة هو تنظيف البحرين كما قال وزير الداخلية، ولعلّنا نثير نقاشاً إيجابياً أمام مجتمعٍ بأكمله وهو يواجه محنته الآن، ويبحث عمّا يحفظ وجوده وهويته وتاريخه وثقافته ووطنيته وأرضه من الإبادة التي يتفاخر الوزير الممثل للسلطة بقيادتها.
- 2026-07-14قراءة في كتاب "إن مع الصبر نصرًا"... مذكرات السيد علي الخامنئي العربية
- 2026-07-10من دعم الحراك إلى حماية الرموز.. كيف تطور خطاب السيد الخامنئي حول البحرين؟
- 2026-07-08أيها الولائيون.. قوموا لله..
- 2026-07-06العطر لا يغيب.. تأملات في رحيل السيد علي الخامنئي
- 2026-06-20عاشوراء البحرين: عن السؤال الذي لا ينام