ويبقى الحسين في القلب
تأملات بحراني حُرم من زيارة الأربعين
أحمد رضي - 2026-08-03 - 5:35 م
مرآة البحرين: إلى كل قلبٍ اشتاق إلى كربلاء... ولم يصل. لم يكن الخبر طويلًا، لكنه كان أثقل من عام كامل من الانتظار. كلمات قليلة انتقلت بين الهواتف، لكنها بالنسبة لمن اعتاد أن يجعل من الأربعين موعدًا سنويًا مع الحسين، لم تكن خبرًا عابرًا؛ بل لحظة شعر فيها أن موعدًا كان يهيئ له قلبه قبل حقيبته قد أصبح مؤجلًا.
فبعض الناس يرون السفر طريقًا بين نقطتين، بينما يراه آخرون رحلة إلى الداخل قبل أن يكون وصولًا إلى المكان. وزيارة الأربعين ليست مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل موعد مع الذاكرة والروح، مع معنى يكتشف فيه الإنسان أنه يقترب من ذاته كلما اقترب من كربلاء. ولهذا كان الحرمان مؤلمًا؛ فأقسى أنواع الفقد أن يكون الشيء قريبًا من القلب، بعيدًا عن اليد.
وللبحرين مع الأربعين حكاية خاصة لا تشبهها حكاية. فمنذ أن تبدأ ملامح الموسم، تتشح القرى والمدن بالسواد، وتُفتح أبواب المآتم، وتتعالى أصوات الرواديد في ليالي العزاء، فتغدو البحرين ذاكرة حيّة تحفظ الحكاية جيلًا بعد جيل.
هنا لا تبدأ العلاقة بالأربعين عند حدود العراق، بل تبدأ في البيت، وفي صوت الخطيب، ودمعة الأم، والمواكب التي ورثت الحكاية كما ورثت المحبة. لذلك يبدو الحرمان من الطريق أكثر قسوة؛ لأن من يُحرم من كربلاء يشعر وكأنه ابتعد عن مشهد عاش معه منذ طفولته، وإن كان يعلم أن ما يسكن القلب لا تمنعه الحدود. وليس كل من غاب عن الأربعين غاب اختيارًا؛ فهناك من منعه المرض، أو ضيق الحال، أو ظروف العمل، أو قيود السفر. لكن اختلاف أسباب الغياب لا يغير حقيقة واحدة: أن الشوق إلى الحسين يجمع القلوب وإن اختلفت المسافات.
أتذكر زيارتي الأخيرة إلى كربلاء قبل سنوات. كنت أظن أنني ذاهب إلى مكان، ثم اكتشفت أن بعض الأماكن لا نزورها فحسب، بل تعيد في داخلنا ما ظنناه قد غاب. أتذكر الطريق، ووجوه المشاة، وذلك الشعور الذي كان يرافق الخطوات؛ مزيجًا من التعب والطمأنينة، ومن الغربة والألفة. آلاف الناس يمضون نحو وجهة واحدة، يحمل كل واحد منهم قصته وألمه ودعاءه، لكنهم جميعًا يلتقون في معنى واحد. وحين ظهرت القبة الذهبية من بعيد، لم تكن مجرد قبة تلوح في الأفق، بل كانت سنوات من الشوق تجتمع في لحظة واحدة. شعرت برعشة تسري في الجسد، وكأن القلب سبق العين إلى الحسين.
وفي تلك اللحظة لم أكن أحمل نفسي وحدها؛ كنت أحمل أبي الراحل، وأتمنى لو كان حاضرًا بين تلك الجموع يرى ما رأته عيناي. وكنت أحمل أمي ودعواتها التي ترافقني أينما ذهبت، وأهلي وأحبتي الذين يسكنون القلب وإن غابوا عن العين. وكنت أحمل وطنًا لا يغادرني؛ وطنًا بأفراحه وأحزانه وذكرياته وأسئلته، لأن بعض الأوطان لا تسكن الأرض وحدها، بل تسكن الإنسان. وعندها أدركت أن الإنسان لا يذهب إلى الأماكن المقدسة بحثًا عن شيء جديد، بل ليستعيد ما كاد العالم أن ينتزعه من أعماقه.
وفي كربلاء أدركت أن الحسين ليس مجرد صفحة في التاريخ، بل معنى حيّ في وجدان من يبحث عن الكرامة، وعن الصبر، وعن الإنسان حين يقف أمام الظلم ولا يساوم على ما يؤمن به. وهناك كانت الدمعة أصدق من الكلام، وكان الدعاء لغة لا تحتاج إلى صوت. ولهذا فإن الحرمان من زيارة الأربعين ليس حرمانًا من رحلة فحسب، بل من مشهد تلتقي فيه ملايين القلوب على المحبة والوفاء، ويغدو التعب ذكرى جميلة لأنه كان في طريق الحسين.
ولعل الغربة التي يشعر بها المحب اليوم تذكّره بأن الغربة كانت قدر أهل هذا البيت الطاهر؛ فالإمام الحسين لم يكن غريبًا لأنه وصل إلى كربلاء وحيدًا، بل لأنه حمل الحق في زمن اختار فيه كثيرون الصمت. وقبله حمل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عدلًا لم يتسع له زمانه، وحملت السيدة فاطمة الزهراء ألم الدفاع عن وصية أبيها، وحمل جده رسول الله ﷺ نور الرسالة في عالمٍ قاوم النور. إن غربة الحسين لم تكن غربة مكان، بل غربة موقف ومبدأ؛ غربة الإنسان حين يختار الطريق الأصعب دفاعًا عن الحق. ولهذا بقيت كربلاء حاضرة، لا بوصفها حادثة مضت في التاريخ، بل ميزانًا أخلاقيًا يقيس به الإنسان موقفه من الحق والباطل.
وتعلّمنا الأربعين أن الوفاء ليس في سرعة الوصول، بل في الثبات على الطريق؛ فالمشي إلى كربلاء تربية للروح على الصبر والوفاء بالقيم مهما طال المسير. ومن حُرم من زيارة الأربعين لم يُحرم من الحسين؛ فقد تُغلق الحدود، وقد تتوقف الخطوات، وقد تبقى الحقيبة في مكانها، لكن القلب يبقى حاضرًا. فربما لا يصل الإنسان دائمًا إلى كربلاء، لكن كربلاء تصل إليه؛ تسكن دمعته ودعاءه وصبره، وكل موقف يختار فيه الوقوف مع الحق. ويبقى النداء في أعمق نقطة من القلب، كما كان دائمًا:
لبيك يا حسين.