عن كلام الملك والرسالة المحمدية.. مواقف تُعمّق الأزمة لا تُعالجها

2026-08-05 - 11:03 ص

مرآة البحرين: أثناء حضوره التمرين المشترك "درع البحرين"، أطلّ ملك البحرين حمد بن عيسى بزيّه العسكري متوجهًا بالحديث الى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، آسفًا لما أسماه "استمرار السّلوك الإيرانيّ تجاه الدُّول الخليجيَّة وما ينطوي عليه من تصعيدٍ غير مبرَّر وتوسيعٍ لدوائر النّزاع"، على حدّ تعبيره.

الموقف الأبرز كان حين قال إنّ "ما يؤسفنا أكثر هو تجاهل إيران لما يُفترض أن يجمعنا بها من رابطةٍ دينيّة، وتناسيها فضل الرّسالة المحمّديّة على الأمَّة الفارسيَّة، التي أكسبت حضارتها عمقًا روحيًّا وإنسانيًّا ومعرفيًّا بعد عصورٍ من الضَّلال".

كلام الملك استدعى ردًا مباشرًا وعلنيًا من إيران عبر خارجيتها التي أكدت أن "من يتحدث عن الرسالة المحمدية (ص) يجدر به، قبل أن يوجِّه النصح إلى الآخرين، أن يزن سلوك حكومته بهذه المعايير نفسها: فهل ينسجم الوقوف إلى جانب قوى شنت عدوانًا عسكريًا على دولةٍ مسلمة مع النهي القرآني الصريح عن موالاة الظالمين أو إعانة المعتدين؟ وهل يتوافق استقبال أعداء المسلمين وتقديم الدعم لعملياتهم العسكرية ضد دولةٍ مسلمةٍ مجاورة مع حقوق الجوار والأخوَّة الإسلامية؟ إنَّ الجواب عن هذه الأسئلة قد بيَّنه القرآن الكريم، وأكدته سنة النبي (ص)، وشهد له ضمير الأمة الإسلامية".

وأضافت "لقد أكدت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بصرف النظر عن الخلافات السياسية، مرارًا على مبدأ حسن الجوار والعلاقات الأخوية بين البلدان الإسلامية، حتى في تعاملها مع نظامٍ حديث النشأة يحكم جزءًا منفصلًا من الأراضي الإيرانية. وفي المقابل، يحذِّر القرآن الكريم بوضوح: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113]، كما قال رسول الله (ص): "مَن أعانَ ظالمًا سلَّطَهُ اللهُ عليه"".

كذلك أشارت الى أن "إيران أمةٌ ذاتُ حضارةٍ عريقةٍ تمتدُّ لآلاف السنين، اعتنقت الإسلام، ثم أصبحت في القرون اللاحقة إحدى أهم الركائز التي أسهمت في قيام الحضارة الإسلامية وازدهارها؛ من الفقه والحديث إلى الفلسفة والطب والرياضيات والأدب. غير أنَّ معيار التفاضل في الإسلام ليس اللغة العربية، ولا الانتماء الجغرافي إلى أرض الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. ومن ثمَّ، لا يحقُّ لأيِّ حاكمٍ أن يجعل من مجرد تكلُّمه باللغة العربية مسوغًا لادعاء تمثيل "الرسالة المحمدية (ص)"، أو أن يستبدل هذا الادعاء بالعمل بتعاليم الإسلام الواضحة".


ماذا أراد الملك من خلال كلامه إذًا؟ هل قَصَدَ أن يجرّ إيران للردّ عليه؟ لا تبدو هذه الفرضية واقعية، إذ ثمّة من رأى في مواقفه محاولة للإيحاء للرأي العام الغربي والعربي أنه ملك حكيم يزن الأمور بمقياس الرشد وحسن التقدير والعقل الراجح. وثمّة أيضًا من رأى في كلامه محاولة جديدة للتهدئة مع إيران بعد أن سخّر أرضه مُنطلقًا للعمليات العدائية ضدّها في الحرب الأمريكية "الاسرائيلية" عليها.

في المقابل، هناك رأي يقول إن معالجة الملك للعلاقة المتأزّمة مع إيران كانت أشدّ ضررًا من أصل المشكلة، لم يُصلح الخلل، بل عمّقه. بدلًا من أن يُطفئ النار، صبّ عليها الزيت، وزاد الطين بلّة.

المشكلة أن عقلية الحكم تميل إلى استسهال الحلول السريعة، غير آبهةٍ بما يخلّفه سوء التقدير من تداعيات، بمعنى أوضح تُسيء تقدير العواقب.

والمفارقة اللافتة في مواقف الملك هي استحضاره لفكرة الرسالة المحمدية، وهو أكثر من يعمل اليوم ربّما بين حكام الخليج على استهداف المسلمين الشيعة من شعبه خلافًا لتعاليم الإسلام. فإذا كان الاحتكام إلى قيم الإسلام هو المعيار الذي يُراد الاحتجاج به في مخاطبة الآخرين، فإن أولى ساحات تطبيقه هي الداخل، حيث تُقاس صدقية الخطاب بالفعل لا بالشعار. فمنذ سنوات، لا تنفصل الملفات ذات البعد الديني عن المقاربة الأمنية في البحرين، وهذه الملفات، بصرف النظر عن التبريرات الرسمية، تبقى محل جدل داخلي وانتقادات حقوقية مستمرة.

ومن هنا، فإن استدعاء الرسالة المحمدية في السجال السياسي يفقد كثيرًا من قوته الإقناعية إذا لم ينعكس أولًا في صورة عدالةٍ بين المواطنين، وصونٍ لكرامتهم، واحترامٍ لحرياتهم الدينية، ومساواةٍ أمام القانون بعيدًا عن أيّ تمييز. فالرسالة التي جاء بها الرسول الأكرم (ص) لم تكن خطابًا يُرفع في مواجهة الخصوم، بل منظومة قيم تبدأ بالعدل والإنصاف واحترام الإنسان. وعندما يشعر جزء من المواطنين بأنهم لا ينالون هذه القيم على قدم المساواة، يصبح الحديث عن الرسالة المحمدية عرضةً للتساؤل أكثر منه موضعًا للتسليم.