حراك شعب البحرين... نضج سياسي في مواجهة مشروع الإقصاء
علي الفايز - 2026-08-08 - 2:59 م
مرآة البحرين: حراكُ شعب البحرين السياسي ضاربٌ في عمق التاريخ، ممتدٌّ عبر عقود، ينمّ عن نضجٍ سياسي في غاياته ومنهجه وسلوكه، ويحمل سجلاً متصلاً من العمل الوطني والتضحيات الجسام والحاضنة الشعبية الواسعة.
فثورة 14 فبراير ليست يتيمة الأبوين ولا مقطوعة الجذور ولا تائهة بلا قيادة أو مشروع، ولذلك ستظل قائمة ما بقي الظلم والاستبداد قائمَين.
لقد ظل خطاب قيادة شعبنا طوال عقد ونصف خطاباً وطنياً جامعاً بين السنة والشيعة، ومنطقاً عالمياً يستمد مرجعيته من الديمقراطية وحقوق الإنسان وهدفاً إنسانياً غايته العدالة وسيادة القانون.
بيد أن جوهر أزمتنا أن منطق القبيلة لا يعترف بغير قانونها، فيكذّب لغة الوطنية أو يصفها في أحسن أحواله بـ"التقية"، ويرى في منطق السياسة الدولية ومنظومة حقوق الإنسان ما لا ينسجم مع أعراف الخليج وتقاليده ويقرأ في مطالب الفطرة السليمة نزوعاً انقلابياً.
هكذا تحاكم السلطة النوايا من غير بيّنة بل تنسج رواياتها تحت وطأة التعذيب لتصنع دليلاً على سردية زائفة لا يُصدقها حتى رعاتها.
وترى القبيلة في تحدي التحول نحو الدولة الحديثة أياً كانت لغته أو منطقه، خطراً وجودياً يهدد كيانها، فمضت تصعّد الضغط تدريجياً حتى بلغ حد التهديد الوجودي للغالبية الشيعية لكونها بيئة معارضة: في أمنها الشخصي أولاً، ثم اقتصادها، فمكانتها الاجتماعية، فحضورها السياسي، فهويتها الثقافية، وأخيراً عقيدتها الدينية ذاتها؛ سعياً إلى إخضاعها الكامل وكسر مشروع إشراك الشعب في الحُكم.
بل إن المتأمل الفاحص حين يمعن النظر بواقعية يدرك أن ما يجري أقرب إلى عملية تطهير عرقي وطائفي واجتثاث فعلي للتشيع، لا يُستثنى منه حتى "المعتدلون" ما لم يدينوا بسياسة القبيلة الموالي لواشنطن وتل أبيب تبعاً لما رسمته اتفاقات السلطة وتحالفاتها على هدي "اتفاقات إبراهيم"، ومنهج الرأسمالية الليبرالية، بقيادة أمريكية، وفي خدمة مشروع "إسرائيل الكبرى".
إننا أمام سلطة فقدت شرعيتها ومشروعيتها ولا قدرة لها على مواجهة صناديق الاقتراع الحرة ولا على محاكمة قانونية دستورية عادلة، ولو احتكمت إلى دستور "المنحة" لعام 2002. ويقابل هذا المشروع المتهالك مشروع بناء دولة حديثة ينهل من مبادئ شعبنا المسلم وقيمه ويسعى إلى العدالة وسيادة القانون وهو مشروع تتأكد ضرورته وشعبيته وأحقيته يوماً بعد يوم.
نحن نتفهّم عداء السلطة ورعاتها وعداء المرتزقة والطائفيين وأصحاب الولاء المزدوج، لكن ما الذي يفسّر ذلك الحقد المتوثب واصطفاف عدد ممن يحملون عنوان "شيعة"، وآخرون ممن يُطلق عليهم "نُخب"، إلى جانب نظام قمعي يسعى لاجتثاث الوجود الديني والثقافي والاجتماعي والسياسي للغالبية الشعبية، متسترين بدعاوى الوطنية أو العلمانية أو الواقعية؟
إن استهداف الغالبية الشعبية ليس فعلا وطنياً بأي معيار بل هو طعنة في خاصرة الوطن ذلك أن هذه الغالبية المختلفة مع السلطة هي التي تمثل جوهر الوطن وميزان الوطنية الحق، وبهذا المعنى السياسي الأصيل تكون السلطة نفسها خارج الإجماع الوطني والدستوري. أما مدّعو الوطنية من هؤلاء، فلا يعدون كونهم أدوات تعتاش على فتات السلطة، ولا وزن لهم في ميزان الفضيلة والإنسانية.
وكيف يُراد للعلمانية -المُدعاة من قبل البعض- أن تكون خطاباً سياسياً، فضلًا عن أن تكون إنسانية، وهي تسعى لإسقاط إرادة الأغلبية ومحاكمتها على نواياها، وتطالب بمحاكمة القيادات الدينية لمجرد أن عقيدتها تُقرأ "خطراً" على الوطن في نظر السلطة الديكتاتورية؟ والحق أن الخطر الحقيقي يكمن في هؤلاء الذين يمتطون موجة السلطة الغاشمة ويتماهون معها في هدف مشترك يرى في الغالبية المتدينة وقيادتها عدواً لمشروعه.
هؤلاء بلا ثقل شعبي، بل يمثلون مشروع أدوات في لعبة لا يدركون أبعادها وإن أدركوها فلا حول لهم فيها ولا قرار، أشبه ما يكونون بـ"الحمار يحمل أسفاراً" لا صوت مسموع لهم ولا حجة بل جهل مركّب يتوارثونه.
أما دعاة "المراجعة" و"الواقعية" ممن أرهقونا بخطابهم، فحريٌ أن نسألهم: أي واقعية في مراجعة خطاب وطني ومشروع سلمي، مقابل تصفيقهم لنظام قمعي؟ إن "الواقع" الذي ينشدونه ليس إلا استسلاماً للذبح، و"المراجعة" التي يدعون إليها ليست إلا صمت الضحايا، وما صرخاتهم تلك إلا كاشفة عن حقيقة موقفهم ودناءته.
واليوم يعلو خطاب المتلبسين بثوب الدين يتفلسفون في تأويل "التقية" خلافاً لما استقر عليه فهم فقهائنا ومراجعنا الواضح، وكثير منهم لا يحيط بأدنى أحكام الصلاةو الطهارة، ومع ذلك يزعم الاجتهاد في مسائل تصدى لها كبار العلماء والفقهاء وموقفهم منها واضح وضوح الشمس.