البحرين في ذكرى الاستقلال.. متى يعود القرار إلى الشعب؟

2026-08-16 - 5:28 م

مرآة البحرين: في ذكرى استقلال البحرين، يكثر الكلام، وتتزاحم التمنيات، وصولًا إلى العتاب. عتابُ شعبٍ يريد لوطنه أن يكون وطنًا كامل السيادة، لا ساحةً تُدار خياراتها الكبرى وفق حسابات الخارج، ولا دولةً تُقدّم فيها الالتزامات الدولية والأمنية على إرادة أبنائها ومصالحهم الوطنية.

في مثل هذه المناسبة، لا ينتظر البحرينيون من الدولة مزيدًا من الخطب الاحتفالية بقدر ما ينتظرون أفعالًا تعيد إلى الاستقلال معناه الحقيقي. فالاستقلال ليس ذكرى تُستعاد في مناسبة وطنية، ولا علمًا يُرفع وشعارًا يُردّد، الاستقلال هو أن تكون إرادة الدولة نابعة أولًا من شعبها، وأن تكون قراراتها السيادية محكومة بالمصلحة الوطنية، وأن يشعر المواطن أن دولته تقف إلى جانبه لا فوقه.

ولعلّ السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم: ماذا يترقّب الشعب من الدولة؟

يترقّب البحرينيون أن تتوقف الدولة عن التعامل مع الأمن بوصفه المدخل الوحيد إلى إدارة المجتمع، وأن تدرك أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بكثرة القيود، ولا بتضييق المجال العام، ولا بمحاصرة فئات واسعة من المواطنين في خياراتها السياسية والدينية والثقافية. الاستقرار الذي لا يقوم على الرضا الشعبي يظل استقرارًا هشًّا، مهما بدا متماسكًا في الظاهر.

ويترقّبون أيضًا سياسة خارجية أكثر استقلالًا، لا تجعل البحرين رهينة لمحاور إقليمية ودولية، ولا تجعل العلاقة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني معيارًا تتقدّم على أساسه الاعتبارات الوطنية. فليس من مصلحة البحرين أن تُختزل سيادتها في الالتزامات العسكرية والأمنية التي تربطها بالمحور الأمريكي "الإسرائيلي"، بينما تنعكس تداعيات هذه الخيارات على شرائح أساسية من شعبها، وعلى حرياته وخياراته ومجاله العام.

المراجعة هنا ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. المرحلة تفرض على البحرين مراجعة جادة وشفافة للاتفاقيات العسكرية والأمنية التي أُبرمت أو جرى تطويرها بعيدًا عن نقاش وطني حقيقي، وخصوصًا تلك التي قد تجعل البلاد جزءًا من ترتيبات أو صراعات لا تعبّر بالضرورة عن مصالح البحرينيين. الدولة المستقلة لا تخشى مراجعة التزاماتها، بل تفعل ذلك لأن السيادة تقتضي أن يبقى القرار الوطني قابلًا للمساءلة والنقاش.

ومن هنا، فإن ذكرى الاستقلال يجب أن تتحوّل إلى مناسبة لفتح ملف الإصلاح السياسي من جديد، لا إلى محطة للاحتفال بالماضي فقط.

البحرين بحاجة إلى مراجعات وطنية حقيقية، تبدأ من إعادة الاعتبار إلى الشرعية الشعبية باعتبارها أساس الحكم ومصدر قوته. وهذا يعني إصلاحًا سياسيًا جوهريًا يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المشاركة، والمساءلة، والتمثيل الحقيقي، واحترام الحريات العامة، وفتح المجال أمام المواطنين للمساهمة في صناعة القرار بدل الاكتفاء بمطالبتهم بالامتثال له.

الشرعية الشعبية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما ممارسة تبدأ من احترام إرادة الناس، ومنح المؤسسات المنتخبة صلاحيات حقيقية، وضمان استقلال القضاء، وصون حرية التعبير والعمل السياسي والمدني، وإنهاء كل السياسات التي تجعل الاختلاف مع الدولة سببًا للعقوبة أو الإقصاء.

وفي ذكرى الاستقلال، ربما يكون أجمل ما يمكن أن تقدمه الدولة للبحرينيين ليس وعدًا جديدًا، بل خطوة حقيقية باتجاه المصالحة الوطنية. مصالحة لا تقوم على مطالبة طرف واحد بالنسيان، وإنما على الاعتراف بالأخطاء، ومعالجة أسباب الاحتقان، وإطلاق مسار سياسي يعيد بناء الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة.

البحرينيون لا يطلبون وطنًا مُعاديًا لأحد، ولا دولةً تنعزل عن محيطها والعالم، بل يطلبون دولة تعرف أين تبدأ مصالحها الوطنية وأين تنتهي حسابات الآخرين.

وفي ذكرى الاستقلال، يبقى العتاب مشروعًا، لأن الاستقلال الذي لا يكتمل بالسيادة السياسية لا يكتمل معناه. وتبقى التمنيات مشروعة، لأن البحرين تستحق أن تكون دولةً يكون قرارها من البحرين، وللبحرين، وبإرادة البحرينيين.

لذلك، فإن الرسالة الأهم في هذه الذكرى ليست إلى الشعب، بل إلى الدولة: إذا كان الاستقلال مناسبة للاحتفاء بالسيادة، فإن السيادة تبدأ من الداخل، من احترام الشعب، ومراجعة الالتزامات الخارجية، وإصلاح السياسة، وإعادة القرار الوطني إلى أصحابه الحقيقيين.