» تقارير
حين يحاكم الملف الأمني التاريخ.. شاهد ملثّم في مواجهة مجتمع أقدم من الدولة
عباس المرشد - 2026-08-21 - 11:36 م
مرآة البحرين: احتاجت النيابة العامة إلى جلسة امتدت أكثر من اثنتي عشرة ساعة لإثبات الاتهامات الثقيلة الموجهة إلى علماء الدين الشيعة، الا ان المشهد انتهى بضابط أمن يخفي وجهه بكمامة يخاف من نفسه ويعرف أنه يقدم شهادة زور مرتبكة. يقف شاهد إثبات في قضية تتحدث عن «ولاية الفقيه» والارتباط بالخارج وتأسيس جماعات وتنظيمات، ثم يتلعثم عندما يسأله الدفاع عن معنى ولاية الفقيه ويعجز عن تقديم تعريف واضح للمفهوم الذي يشكل أحد مرتكزات الرواية الأمنية للقضية.
وتوالت المفارقات خلال مناقشة الشاهد. فقد احتج المحامون على امتناعه عن الإجابة عن عشرات الأسئلة، وأشاروا إلى تضارب أقواله وتناقضها، فيما كان يواجه الأسئلة المحرجة بعبارته المتكررة: «ارجعوا لأقوالي في النيابة العامة». وفي الوقت نفسه، قدم ادعاءً سياسيًا كبيرًا بأن السيد علي الخامنئي أعطى آية الله الشيخ عيسى قاسم أمرًا بتأسيس المجلس الإسلامي العلمائي، من دون أن يظهر خلال المناقشة، وفق المعطيات المتداولة عن الجلسة، سند يوازي خطورة هذا الادعاء.
هذه الوقائع تمنح جلسة المحاكمة أهمية تتجاوز طرافتها الظاهرة؛ لأنها تضع طبيعة بناء القضية نفسها تحت الاختبار. فالاتهامات صيغت بمفردات أمنية شديدة الخطورة، بينما تكشف مناقشة شاهد الإثبات عن فجوة بين الرواية التي أنتجتها الأجهزة الأمنية وبين قدرتها على تقديم عناصر إثبات متماسكة أمام الدفاع. وكلما انتقلت القضية من محاضر التحقيق إلى المواجهة المباشرة داخل المحكمة، أصبحت هذه الفجوة أكثر ظهورًا.
هشاشة الشاهد تكشف هشاشة الاتهام
يحتل مفهوم «ولاية الفقيه» موقعًا مهمًا في الطريقة التي يجري من خلالها تفسير علاقات العلماء ومرجعياتهم الدينية وتحويلها إلى روابط سياسية وأمنية. وهذا يكشف وزير الداخلية الذي لا يوفر مناسبة إلا وأعلن ان نظامه في حرب مع ولاية الفقيه، وهو حتما لا بعرف ماذا يقول أو عن ماذا يتحدث، وكما قيل فإن وزير الداخلية يهرف بما لا يعرف. ولهذا كان سؤال الدفاع للشاهد عن معنى المفهوم سؤالًا كاشفًا لمنهج بناء الاتهام؛ لأن قدرة الشاهد على تفسير الوقائع التي يشهد بشأنها ترتبط ابتداءً بفهم المصطلحات التي يستخدمها في تصنيف تلك الوقائع.
وعجز الضابط عن تقديم تعريف واضح للمفهوم يثير سؤالًا حول الأساس المعرفي الذي استندت إليه عملية تحويل العلاقات الدينية والمذهبية إلى استنتاجات أمنية. فالشهادة هنا تنتقل من نقل وقائع محددة إلى تفسير شبكة من العلاقات والأفكار، والتفسير يحتاج إلى معرفة تسمح بتمييز الديني من التنظيمي، والفقهي من السياسي، والمرجعي من الأمني.
ومن هذا المستوى يمكن قراءة الادعاء المتعلق بتأسيس المجلس الإسلامي العلمائي. فالقول بوجود أمر صادر عن السيد الخامنئي إلى الشيخ عيسى قاسم يمثل حلقة مركزية في بناء فرضية الارتباط الخارجي، ولذلك ترتبط قيمته بوجود مصدر يمكن اختباره: وثيقة، أو مراسلة، أو شهادة مباشرة، أو قرينة مادية. وغياب مثل هذا السند عن المناقشة، وفق المعلومات المتداولة عن الجلسة، يجعل الادعاء أقرب إلى إعادة إنتاج التصور الأمني الذي انطلقت منه القضية.
وتكشف هذه الآلية عن مسار استدلالي مقلوب في بناء الملف: تصور مسبق عن العلاقة بين علماء الشيعة وإيران، ثم قراءة المؤسسات والمفاهيم والعلاقات الدينية من داخل هذا التصور، وصولًا إلى منحها دلالات تنظيمية وأمنية. ولهذا اكتسب سؤال بسيط عن معنى «ولاية الفقيه» كل هذه الأهمية؛ فقد اختبر الأساس الذي يقوم عليه جانب من عملية التأويل الأمني، وكشف محدوديته أمام أول مساءلة مباشرة.
القضاء والشهادة الأمنية
انتقلت المشكلة خلال الجلسة من مضمون شهادة الضابط إلى طريقة تعامل المحكمة معها. فاحتجاج الدفاع على عشرات الأسئلة التي بقيت بلا إجابات، وإشارته إلى التناقضات بين الأقوال، وإحالة الشاهد المتكررة إلى إفادته أمام النيابة، تضع قيمة الشهادة أمام معيار جوهري في المحاكمة: قدرتها على الصمود أثناء المناقشة.
وتكتسب المواجهة بين الدفاع والشاهد أهميتها من هذه الوظيفة تحديدًا؛ إذ تنقل الرواية الأمنية من المجال المغلق للتحقيق إلى مجال الاختبار القضائي. وفي هذه المرحلة تظهر الفروق بين المعلومة والاستنتاج، وبين الواقعة والتأويل، وبين ما يعرفه الشاهد مباشرة وما يعيد نقله عن أجهزة التحقيق.
ومن هنا تبرز سماجة قبول هذا المستوى من الشهادة في قضية تحمل اتهامات بهذا الحجم. فكل إحالة من الشاهد إلى أقواله السابقة تعيد مركز الثقل من قاعة المحكمة إلى محاضر النيابة، وكل سؤال جوهري يبقى بلا جواب يضعف وظيفة المناقشة القضائية، وكل تناقض يمر من دون أثر في تقييم الدليل يمنح الرواية الأمنية حصانة كان يفترض أن تخضع داخل المحكمة للاختبار.
وتتصل هذه المسألة بتاريخ أطول في القضايا السياسية البحرينية، حيث تتمتع الرواية الأمنية بموقع متقدم في صناعة ملف الاتهام، ثم تنتقل عبر النيابة إلى القضاء. وتكشف جلسة الأمس إحدى نتائج هذا المسار: يصبح ضابط الأمن منتجًا للمعلومة ومفسرًا لها وشاهدًا على دلالتها، بينما تتحول المحكمة إلى المجال الذي تُمنح فيه هذه الرواية قيمتها القانونية.
صناعة الاتهام السياسي
تأخذ القضية بعدًا أوسع عندما توضع المصطلحات المستخدمة فيها ضمن سياقها السياسي. فـ«ولاية الفقيه»، والمرجعية الدينية، وعلاقات العلماء بالمراجع، والمجلس الإسلامي العلمائي، تنتمي إلى البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع الشيعي، وإعادة إدخالها في ملف أمني تغير دلالتها ووظيفتها. تتحول العلاقة بالمرجعية إلى ارتباط خارجي، والمؤسسة الدينية إلى تنظيم، والمفهوم الفقهي إلى مؤشر سياسي، ثم يجري جمع هذه العناصر داخل سردية واحدة عن الولاء والتهديد.
ويؤدي هذا التحويل وظيفة سياسية تتجاوز مصير المتهمين. فانتقال هذه المفردات من التقارير الأمنية إلى النيابة، ومنها إلى قاعة المحكمة، يمنحها قدرة أكبر على الانتشار في المجال العام بوصفها توصيفات رسمية. وهكذا تتشكل تدريجيًا صورة تربط التدين الشيعي ومؤسساته المستقلة بشبكة من الشبهات الأمنية، بما يسمح بإعادة تعريف جماعة دينية كاملة من خلال علاقتها المفترضة بالخارج.
وتفسر هذه الوظيفة جانبًا من التضخم الظاهر في الاتهامات قياسًا بما ظهر حتى الآن من أدلة. فالقضية تحمل عبئًا سياسيًا يتجاوز الإثبات الجنائي؛ إذ تستخدم لإنتاج سردية عن العلماء وموقعهم الاجتماعي وصلاتهم الدينية، ثم تقديم هذه السردية للرأي العام داخل إطار قضائي يمنحها مظهر الحقيقة المثبتة.
من أمن الدولة إلى السلامة الوطنية.. استمرارية القضاء السياسي
تكشف محاكمة العلماء عن بنية أقدم من القضية الراهنة، تشكلت عبر عقود من تداخل القضاء بالأمن في القضايا السياسية وقضايا الرأي، حتى أصبحت الرواية الأمنية قادرة على الانتقال إلى المحكمة محمولة بسلطة الاتهام الرسمي قبل اكتمال اختبارها قضائيًا. وقد اختبر المجتمع البحريني هذه البنية خلال حقبة قانون أمن الدولة ومحاكماتها، ثم عادت بصورة أكثر وضوحًا مع محاكم السلامة الوطنية سنة 2011، فيما تكشف القضايا السياسية اللاحقة عن استمرار المعضلة نفسها بصيغ قانونية وإجرائية مختلفة.
ومن هنا تستعيد محاكمة العلماء بعض ملامح «محاكم التفتيش» سيئة الصيت: البحث في المعتقد والولاء والمرجعية، وتحويل الأفكار والروابط الدينية إلى موضوع للتحقيق الأمني، ثم بناء الاشتباه السياسي انطلاقًا من هوية المتهم وموقعه داخل جماعته. وتصبح بنية الفساد هنا أوسع من سلوك قاضٍ أو خلل في إجراء؛ إذ تتجسد في قابلية المؤسسة القضائية لتوفير المشروعية القانونية للرواية الأمنية كلما تعلق الأمر بخصوم السلطة أو بمجالات الرأي والعمل السياسي.
القضاء أداة للحرب على الشيعة.. وحدود القوة
ويأخذ هذا القضاء المسيس وظيفة أكثر خطورة عندما يستخدم في إعادة تعريف الوجود الشيعي نفسه من خلال مفردات الأمن والولاء الخارجي. فمحاكمة العلماء، وتجريم المؤسسات الدينية المستقلة، واستدعاء «ولاية الفقيه» والمرجعية والعلاقة بالمراجع إلى ملفات الاتهام، تشكل حلقات مترابطة في محاولة إخضاع المجال الديني الشيعي لمنطق الدولة الأمنية. وبهذا المعنى تصبح المحكمة إحدى ساحات الحرب السياسية على الشيعة؛ فهي تنتج توصيفات قانونية يراد لها أن تنقل الجماعة ومؤسساتها الأساسية من موقع المكوّن الاجتماعي والتاريخي إلى دائرة الاشتباه الأمني المستمر.
ويحمل هذا المسار في داخله معيار فشله التاريخي؛ فالوجود الشيعي في البحرين أسبق زمنيًا واجتماعيًا من تشكل الدولة الحديثة ومؤسساتها القضائية والأمنية، كما أن المرجعية والعلماء والمؤسسات والشعائر تكونت داخل تاريخ اجتماعي طويل لا يستمد وجوده من الاعتراف الرسمي. وتستطيع السلطة التضييق على مؤسسة، وحل جمعية، ومحاكمة عالم، وتجريم مفهوم، فيما تواجه حدودًا بنيوية عندما تحاول بواسطة القضاء إعادة تشكيل ذاكرة جماعة وهوية دينية متجذرة تاريخيًا.
ومن هذه الزاوية تصبح الحرب القضائية على الشيعة صراعًا غير متكافئ في أدوات القوة، ومختلفًا في الوقت نفسه في موازين الزمن: الدولة تمتلك المحكمة، فيما تمتلك الجماعة تاريخًا اجتماعيًا أقدم من المحكمة والدولة الحديثة التي أنشأتها.
وتوالت المفارقات خلال مناقشة الشاهد. فقد احتج المحامون على امتناعه عن الإجابة عن عشرات الأسئلة، وأشاروا إلى تضارب أقواله وتناقضها، فيما كان يواجه الأسئلة المحرجة بعبارته المتكررة: «ارجعوا لأقوالي في النيابة العامة». وفي الوقت نفسه، قدم ادعاءً سياسيًا كبيرًا بأن السيد علي الخامنئي أعطى آية الله الشيخ عيسى قاسم أمرًا بتأسيس المجلس الإسلامي العلمائي، من دون أن يظهر خلال المناقشة، وفق المعطيات المتداولة عن الجلسة، سند يوازي خطورة هذا الادعاء.
هذه الوقائع تمنح جلسة المحاكمة أهمية تتجاوز طرافتها الظاهرة؛ لأنها تضع طبيعة بناء القضية نفسها تحت الاختبار. فالاتهامات صيغت بمفردات أمنية شديدة الخطورة، بينما تكشف مناقشة شاهد الإثبات عن فجوة بين الرواية التي أنتجتها الأجهزة الأمنية وبين قدرتها على تقديم عناصر إثبات متماسكة أمام الدفاع. وكلما انتقلت القضية من محاضر التحقيق إلى المواجهة المباشرة داخل المحكمة، أصبحت هذه الفجوة أكثر ظهورًا.
هشاشة الشاهد تكشف هشاشة الاتهام
يحتل مفهوم «ولاية الفقيه» موقعًا مهمًا في الطريقة التي يجري من خلالها تفسير علاقات العلماء ومرجعياتهم الدينية وتحويلها إلى روابط سياسية وأمنية. وهذا يكشف وزير الداخلية الذي لا يوفر مناسبة إلا وأعلن ان نظامه في حرب مع ولاية الفقيه، وهو حتما لا بعرف ماذا يقول أو عن ماذا يتحدث، وكما قيل فإن وزير الداخلية يهرف بما لا يعرف. ولهذا كان سؤال الدفاع للشاهد عن معنى المفهوم سؤالًا كاشفًا لمنهج بناء الاتهام؛ لأن قدرة الشاهد على تفسير الوقائع التي يشهد بشأنها ترتبط ابتداءً بفهم المصطلحات التي يستخدمها في تصنيف تلك الوقائع.
وعجز الضابط عن تقديم تعريف واضح للمفهوم يثير سؤالًا حول الأساس المعرفي الذي استندت إليه عملية تحويل العلاقات الدينية والمذهبية إلى استنتاجات أمنية. فالشهادة هنا تنتقل من نقل وقائع محددة إلى تفسير شبكة من العلاقات والأفكار، والتفسير يحتاج إلى معرفة تسمح بتمييز الديني من التنظيمي، والفقهي من السياسي، والمرجعي من الأمني.
ومن هذا المستوى يمكن قراءة الادعاء المتعلق بتأسيس المجلس الإسلامي العلمائي. فالقول بوجود أمر صادر عن السيد الخامنئي إلى الشيخ عيسى قاسم يمثل حلقة مركزية في بناء فرضية الارتباط الخارجي، ولذلك ترتبط قيمته بوجود مصدر يمكن اختباره: وثيقة، أو مراسلة، أو شهادة مباشرة، أو قرينة مادية. وغياب مثل هذا السند عن المناقشة، وفق المعلومات المتداولة عن الجلسة، يجعل الادعاء أقرب إلى إعادة إنتاج التصور الأمني الذي انطلقت منه القضية.
وتكشف هذه الآلية عن مسار استدلالي مقلوب في بناء الملف: تصور مسبق عن العلاقة بين علماء الشيعة وإيران، ثم قراءة المؤسسات والمفاهيم والعلاقات الدينية من داخل هذا التصور، وصولًا إلى منحها دلالات تنظيمية وأمنية. ولهذا اكتسب سؤال بسيط عن معنى «ولاية الفقيه» كل هذه الأهمية؛ فقد اختبر الأساس الذي يقوم عليه جانب من عملية التأويل الأمني، وكشف محدوديته أمام أول مساءلة مباشرة.
القضاء والشهادة الأمنية
انتقلت المشكلة خلال الجلسة من مضمون شهادة الضابط إلى طريقة تعامل المحكمة معها. فاحتجاج الدفاع على عشرات الأسئلة التي بقيت بلا إجابات، وإشارته إلى التناقضات بين الأقوال، وإحالة الشاهد المتكررة إلى إفادته أمام النيابة، تضع قيمة الشهادة أمام معيار جوهري في المحاكمة: قدرتها على الصمود أثناء المناقشة.
وتكتسب المواجهة بين الدفاع والشاهد أهميتها من هذه الوظيفة تحديدًا؛ إذ تنقل الرواية الأمنية من المجال المغلق للتحقيق إلى مجال الاختبار القضائي. وفي هذه المرحلة تظهر الفروق بين المعلومة والاستنتاج، وبين الواقعة والتأويل، وبين ما يعرفه الشاهد مباشرة وما يعيد نقله عن أجهزة التحقيق.
ومن هنا تبرز سماجة قبول هذا المستوى من الشهادة في قضية تحمل اتهامات بهذا الحجم. فكل إحالة من الشاهد إلى أقواله السابقة تعيد مركز الثقل من قاعة المحكمة إلى محاضر النيابة، وكل سؤال جوهري يبقى بلا جواب يضعف وظيفة المناقشة القضائية، وكل تناقض يمر من دون أثر في تقييم الدليل يمنح الرواية الأمنية حصانة كان يفترض أن تخضع داخل المحكمة للاختبار.
وتتصل هذه المسألة بتاريخ أطول في القضايا السياسية البحرينية، حيث تتمتع الرواية الأمنية بموقع متقدم في صناعة ملف الاتهام، ثم تنتقل عبر النيابة إلى القضاء. وتكشف جلسة الأمس إحدى نتائج هذا المسار: يصبح ضابط الأمن منتجًا للمعلومة ومفسرًا لها وشاهدًا على دلالتها، بينما تتحول المحكمة إلى المجال الذي تُمنح فيه هذه الرواية قيمتها القانونية.
صناعة الاتهام السياسي
تأخذ القضية بعدًا أوسع عندما توضع المصطلحات المستخدمة فيها ضمن سياقها السياسي. فـ«ولاية الفقيه»، والمرجعية الدينية، وعلاقات العلماء بالمراجع، والمجلس الإسلامي العلمائي، تنتمي إلى البنية الدينية والاجتماعية للمجتمع الشيعي، وإعادة إدخالها في ملف أمني تغير دلالتها ووظيفتها. تتحول العلاقة بالمرجعية إلى ارتباط خارجي، والمؤسسة الدينية إلى تنظيم، والمفهوم الفقهي إلى مؤشر سياسي، ثم يجري جمع هذه العناصر داخل سردية واحدة عن الولاء والتهديد.
ويؤدي هذا التحويل وظيفة سياسية تتجاوز مصير المتهمين. فانتقال هذه المفردات من التقارير الأمنية إلى النيابة، ومنها إلى قاعة المحكمة، يمنحها قدرة أكبر على الانتشار في المجال العام بوصفها توصيفات رسمية. وهكذا تتشكل تدريجيًا صورة تربط التدين الشيعي ومؤسساته المستقلة بشبكة من الشبهات الأمنية، بما يسمح بإعادة تعريف جماعة دينية كاملة من خلال علاقتها المفترضة بالخارج.
وتفسر هذه الوظيفة جانبًا من التضخم الظاهر في الاتهامات قياسًا بما ظهر حتى الآن من أدلة. فالقضية تحمل عبئًا سياسيًا يتجاوز الإثبات الجنائي؛ إذ تستخدم لإنتاج سردية عن العلماء وموقعهم الاجتماعي وصلاتهم الدينية، ثم تقديم هذه السردية للرأي العام داخل إطار قضائي يمنحها مظهر الحقيقة المثبتة.
من أمن الدولة إلى السلامة الوطنية.. استمرارية القضاء السياسي
تكشف محاكمة العلماء عن بنية أقدم من القضية الراهنة، تشكلت عبر عقود من تداخل القضاء بالأمن في القضايا السياسية وقضايا الرأي، حتى أصبحت الرواية الأمنية قادرة على الانتقال إلى المحكمة محمولة بسلطة الاتهام الرسمي قبل اكتمال اختبارها قضائيًا. وقد اختبر المجتمع البحريني هذه البنية خلال حقبة قانون أمن الدولة ومحاكماتها، ثم عادت بصورة أكثر وضوحًا مع محاكم السلامة الوطنية سنة 2011، فيما تكشف القضايا السياسية اللاحقة عن استمرار المعضلة نفسها بصيغ قانونية وإجرائية مختلفة.
ومن هنا تستعيد محاكمة العلماء بعض ملامح «محاكم التفتيش» سيئة الصيت: البحث في المعتقد والولاء والمرجعية، وتحويل الأفكار والروابط الدينية إلى موضوع للتحقيق الأمني، ثم بناء الاشتباه السياسي انطلاقًا من هوية المتهم وموقعه داخل جماعته. وتصبح بنية الفساد هنا أوسع من سلوك قاضٍ أو خلل في إجراء؛ إذ تتجسد في قابلية المؤسسة القضائية لتوفير المشروعية القانونية للرواية الأمنية كلما تعلق الأمر بخصوم السلطة أو بمجالات الرأي والعمل السياسي.
القضاء أداة للحرب على الشيعة.. وحدود القوة
ويأخذ هذا القضاء المسيس وظيفة أكثر خطورة عندما يستخدم في إعادة تعريف الوجود الشيعي نفسه من خلال مفردات الأمن والولاء الخارجي. فمحاكمة العلماء، وتجريم المؤسسات الدينية المستقلة، واستدعاء «ولاية الفقيه» والمرجعية والعلاقة بالمراجع إلى ملفات الاتهام، تشكل حلقات مترابطة في محاولة إخضاع المجال الديني الشيعي لمنطق الدولة الأمنية. وبهذا المعنى تصبح المحكمة إحدى ساحات الحرب السياسية على الشيعة؛ فهي تنتج توصيفات قانونية يراد لها أن تنقل الجماعة ومؤسساتها الأساسية من موقع المكوّن الاجتماعي والتاريخي إلى دائرة الاشتباه الأمني المستمر.
ويحمل هذا المسار في داخله معيار فشله التاريخي؛ فالوجود الشيعي في البحرين أسبق زمنيًا واجتماعيًا من تشكل الدولة الحديثة ومؤسساتها القضائية والأمنية، كما أن المرجعية والعلماء والمؤسسات والشعائر تكونت داخل تاريخ اجتماعي طويل لا يستمد وجوده من الاعتراف الرسمي. وتستطيع السلطة التضييق على مؤسسة، وحل جمعية، ومحاكمة عالم، وتجريم مفهوم، فيما تواجه حدودًا بنيوية عندما تحاول بواسطة القضاء إعادة تشكيل ذاكرة جماعة وهوية دينية متجذرة تاريخيًا.
ومن هذه الزاوية تصبح الحرب القضائية على الشيعة صراعًا غير متكافئ في أدوات القوة، ومختلفًا في الوقت نفسه في موازين الزمن: الدولة تمتلك المحكمة، فيما تمتلك الجماعة تاريخًا اجتماعيًا أقدم من المحكمة والدولة الحديثة التي أنشأتها.
اقرأ أيضا
- 2026-08-21الموسوي يغادر فراديسه.. ماذا قال في الطبعة الأخيرة؟!
- 2026-08-21محاكم البحرين تُشفق على مُهرّبي الكوكايين وتقسو على أصحاب العمائم!
- 2026-08-19البحرين لم تدن الاعتداءات الصهيونية على سوريا.. ولم تنشر تصريحات الأمين العام لمجلس التعاون حول ذلك
- 2026-08-1774.7 مليار دولار من الديون.. إلى أين يقود المسار المالي البحرين؟
- 2026-08-16البحرين في ذكرى الاستقلال.. متى يعود القرار إلى الشعب؟