ماذا بقي للبحرينيين ليختاروه؟ حمد بن عيسى ومتلازمة التعيينات!

2026-09-04 - 1:48 م

مرآة البحرين: التعيينات في البحرين ظاهرة فريدة تستحقّ التوقف عنده المسألة تحتاج الى دراسة دوافع الحاكم حمد بن عيسى لتكريس أصول وقواعد لا تشبه أيّة دولة في العالم.

في البداية، كان الأمر لا يخرج عن حدود صلاحيات السلطة الطبيعية: الوزراء يُعيّنون، والوكلاء والمدراء في الوزارات يُعيّنون، وأعضاء مجلس الشورى يُعيّنون. أي أن مفاصل واسعة من الدولة كانت، وما تزال، تمر عبر إرادة التعيين الملكي أو الحكومي المباشر. لكن يبدو أن "متلازمة التعيينات" لم تتوقف عند حدود الجهاز الرسمي للدولة. مع الوقت، تطوّرت الصيغة إلى ما يشبه تعيين النواب المُنتخبين أيضًا، وإن كان ذلك هذه المرة عبر وصفة أكثر تعقيدًا وأناقة: إجراءات انتخابية دقيقة، وقوانين وضوابط، وإدارة للعملية الانتخابية، بما يجعل النتيجة في كثير من الأحيان أقرب إلى هندسة مسبقة للمشهد السياسي منها إلى ترك الناخب يقرر بحرية من يمثله، ولاسيّما في ظلّ قوانين العزل وحلّ الجمعيات السياسية التي تحظى بتأييد شعبي وازن.

اليوم، ظهرت بدعة المخاتير في البحرين، غير أن العودة إلى زمن المخاتير حملت الكثير من الملاحظات، بعد أن قرر الملك بنفسه هذا التوجه وأعلنه. وإذا كان المختار يمثل في الأصل واحدة من أكثر صور التمثيل المحلي التصاقًا بالناس ومجتمعاتهم، فإن إدخال هذه المساحة أيضًا في دائرة التعيين أو التحكم الإداري يعني أن السلطة لا تريد ترك حتى التفاصيل الصغيرة في حياة المجتمع خارج مجال نفوذها.

الأدهى من ذلك أن المسألة لا تبدو متوقفة عند المخاتير. فمن قرار وزير العدل الأخير الذي تحدّث صراحة عن بدء "تطوير وتوحيد إجراءات التولي على المآتم والأوقاف بما يعزز الحوكمة والشفافية"، تبرز مخاوف من أن يصل منطق التعيين والإدارة الرسمية إلى واحدة من أكثر المؤسسات ارتباطًا بالناس وموروثهم الديني والاجتماعي: رؤساء الحسينيات والمآتم ومن يتولّى إدارة هذه المؤسسات. وهنا تصبح المسألة أبعد بكثير من مجرد إجراء إداري.

نحن نتحدث عن فضاء أهلي نشأ تاريخيًا من المجتمع نفسه، وأدارته العائلات والأهالي، باعتبارها مسؤولية اجتماعية ودينية.

النيّة أو التوجه ينسحبان أيضًا إلى الجمعيات الخيرية، التي تعاني منذ أعوام من أزمة حقيقية في انتخاب إداراتها. فاجراءات وزارة العدل المتزايدة، وما يرافقها من رفض لأسماء كثير من المترشحين، جعلت الانتخابات في عدد من هذه الجمعيات عملية شاقّة ومعقّدة، إلى درجة تثير سؤالًا مشروعًا: هل ما زلنا أمام انتخابات فعلية، أم أمام عملية اختيار لا يملك فيها الناخب سوى الاختيار من قائمة توافق عليها السلطة مسبقًا؟

ومع استمرار هذا النهج، يكاد المشهد يصل إلى مرحلة يصبح فيها مكتب شؤون الجمعيات في وزارة العدل هو الذي يحدد عمليًا من يمكنه أن يدخل المنافسة، ومن يمكنه أن يبقى خارجها، وبالتالي من يمكن أن يشكل مجلس الإدارة.

وهنا تكتمل المفارقة: الجمعية التي يفترض أنها تمثل أهالي المنطقة، قد يصبح أهالي المنطقة آخر من يملك حق تحديد من يديرها!

هذا المسار لا ينفصل عن محاولات سابقة جرت أيضًا بهدف تعيين أئمة المساجد عبر قانون "كادر الأئمة والمؤذّنين"، في محاولة لإدخال هذه الوظيفة الدينية في إطار أكثر إحكامًا من الإدارة الرسمية. وقد تعثّرت هذه المحاولات في جوانب عديدة، لكن مجرد طرحها يكشف شيئًا مهمًا: أن عين السلطة لا تتوقف عند الوزارة أو مجلس النواب أو المؤسسة الحكومية، بل تمتد إلى الفضاء الديني نفسه.

بناءً عليه، إذا جمعنا المشهد كلّه، تظهر أمامنا الصورة الآتية: الوزير بالتعيين، وعضو مجلس الشورى بالتعيين، والمسؤول الحكومي بالتعيين، ثم محاولة إدارة الانتخابات النيابية، ثم إعادة العمل بمنصب المختار، وقبله التضييق على انتخابات الجمعيات الأهلية، ثم تنظيم شؤون المآتم والحسينيات، ومحاولات ضبط اختيار الأئمة والمؤذنين. فماذا بقي إذًا؟ أي مساحة حرة بقيت للناس كي يختاروا فيها من يمثّلهم؟

المشكلة هنا ليست في شخص يُعيّن أو آخر يُرفض، بل ما يقف خلف كل ذلك: أن المجتمع لا يُترك ليختار، وأن الناس بحاجة دائمًا إلى وصاية تحدّد لهم من يصلح لتمثيلهم، ومن لا يصلح، ومن يمكنه أن يترشح، ومن يجب أن يبقى خارج المشهد.

إنها عقلية لا تثق بالمجتمع. كل مساحة يختار فيها الناس بأنفسهم تبدو وكأنها مساحة ينبغي مراقبتها وتنظيمها وضبطها، إلى أن يتحول المجتمع من فاعل يختار ويدير مؤسساته إلى مجرد متلقٍٍّ لخيارات صيغت له في مكان آخر.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سياسيًا فقط، بل يكاد يكون سؤالًا عن الحالة النفسية للتعيين التي وصلت إليها السلطة: ماذا يفعل المرء إذا أصبح عاجزًا عن رؤية مؤسسة أو جمعية أو هيئة أو مساحة اجتماعية لا تحمل بصمته؟

ربما حان الوقت لتوسيع جدول الأعمال الملكي:

تعيين الوزراء: تم.
تعيين الشورى: تم.
السيطرة على الانتخابات: تم.
التحكّم بالجمعيات: قيد الإنجاز.
المخاتير: على الطريق.
الحسينيات والمآتم: تحت النظر.

ويبقى أن نسأل فعلًا: إلى أيّ حالة نفسية وصل إليها الملك، حتى بات لا يخلد إلى النوم قبل أن يفكر في مساحة جديدة يخنق فيها العمل التطوعي والنشاط الأهلي، بعد أن أحكم قبضته على المجال السياسي؟ هل صار هاجسه أن يستيقظ صباحًا فلا يجد في البحرين مسؤول مؤسسةً أو جمعيةً أو مأتمًا أو "فريجًا" إلا وقد مرّ اختياره من بوابة السلطة؟ إنها سلطة تخشى حتى أن يختار الناس بعضهم بعضًا!