مرسوم ملكي بالعودة إلى تلفونات «أبو ليت»

2026-09-05 - 5:54 م

مرآة البحرين: توجد حالات مرضية مستعصية تصل إلى حد اليأس، بما يدفع صاحبها إلى فقدان الأمل في العلاج، ويلجئه في نهاية المطاف إلى التخبط في البحث عن أي علاج، وإن كان علاجًا لا يحقق التعافي أو يوقف التدهور.

فهناك من يصابون بأمراض فتاكة، فيلجؤون إلى العلاج في أرقى المستشفيات، مستعينين بأبهظ العلاجات، وبأكثر الأطباء مهارة، وبأحدث الأجهزة، ولكنهم، عند فشل العلاج، يلجؤون إلى خيارات متطرفة وغير مضمونة، من قبيل استخدام الأساليب القديمة، كالعقاقير والأدوية الشعبية، والتي قد تنتج عنها تداعيات أخطر. لكنها تصبح الملاذ الأخير بعد فشل كل المحاولات وانعدام الخيارات.

إن ما يجري في البحرين اليوم أشبه ما يكون بهذه الحالة؛ فالديكتاتور مأزوم نفسيًا، والمستبد كالمريض الفاقد للأمل في الشفاء، إلا أنه يملك السلطة والنفوذ، والأموال والأدوات والأذرع الناعمة والخشنة، فيُسخّرها جميعًا في خدمة الانتقام وتنفيس الغل والحقد، مع الشعور الدائم بالحاجة إلى الفتك، دون أي رادع قانوني أو اجتماعي أو إنساني.

الحكم في البحرين، ومنذ العام 2011، دخل في حالة هستيريا سياسية، وأصبح يتلقف أي فكرة متهورة، معتقدًا فيها الخلاص. ومنذ ذلك اليوم، وهو يعتبر البلاد حقل تجارب، مع ما تخلّفه تلك التجارب من أثمان كبيرة، معنويًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا.

ومن خلال جردة سريعة للمعلن فقط من الخطوات، وليس السري منها، سنجد أنفسنا أمام كوارث كبيرة ارتكبها النظام على كل المستويات، وجميعها مثّلت خطوات خاسرة لم تقدم للبحرين أي نتيجة ملموسة.

من خطط التوازن المالي إلى آمال التعافي الاقتصادي، ومن وعود توظيف العاطلين إلى رفع الرواتب وتحسين أوضاع المتقاعدين، ومن وعود حل طوابير الإسكان إلى حلحلة قضايا العمال والتجار، لتتواصل موجات الغلاء، وترتفع فواتير الكهرباء، وتزداد الضرائب، وتتجه السياسة نحو التطبيع المخزي، والانضمام إلى أحلاف عسكرية أجنبية، والاصطفاف ضمن انقسامات خليجية.

ورغم كل الأخطاء والعثرات، لا يزال العقل المريض يبحث عن العلاج الخطأ، ورغم كل الدروس لم يتعلم، ويبدو أنه مستمر في العودة إلى الوراء.

وبناءً على فشل الخيارات الأمنية والعسكرية والسياسية، ومع تعثر العمل الدبلوماسي المتكئ على المؤسسات الشكلية والمراكز الدعائية، ورغم ما يُنظّم من أنشطة استنزفت موازنة البحرين، وما تنتجه جهات تستثمر في الأزمات، وبعدما وصلت إليه الحكومة من مستوى أدى إلى التخلي عن كل ملامح «دولة الرعاية»، وحوّلها إلى حكومة رأسمالية متوحشة، جاء أخيرًا المشروع المنقذ الذي سيشكل خلاصة التجارب السياسية منذ الاستقلال حتى الآن؛ المشروع «الفلتة»، الذي مثّل قمة الابتكار والتطور، عبر العودة إلى فكرة «المخاتير» التي انتهى زمنها قبل أكثر من نصف قرن.

المخاتير عمليًا هي إعلان فشل كل التجربة السياسية منذ ربع قرن، وهي عمليًا إعلان فشل ما يطلق النظام عليه «اليوبيل الفضي». ففكرة المخاتير تعود إلى ما قبل هذه الحقبة، ومشروع المخاتير عبارة عن إعلان وفاة للدولة الحديثة بكل مكوناتها، وعلى رأسها انتقال البحرين من دولة إلى مملكة.
ونظام «المخاتير» يعني أيضَا فشل تجربة مجلسي الشورى والنواب، وفشل المجالس البلدية، وفشل كل ما ترتب على ما سُمّي بالمشروع الإصلاحي.

من استطاع إقناع الديكتاتور بعودة المخاتير، سيقنعه غدًا بترك استخدام السيارات والعودة إلى التنقل على ظهور البهائم، وسيقنعه بضرورة ترك وسائل التواصل والإعلام الحديث والعودة إلى الراديو، وسيقنعه كذلك بضرورة ترك الهواتف الذكية لأنها تشكّل مصدر وعي سياسي واجتماعي. وقد يصدر مرسومًا ملكيًا بالعودة إلى تلفونات «أبو ليت»، وذلك توهمًا من صاحب القرار بأن ذلك قد يشكل حلًا للخروج من عنق الزجاجة الذي وضعت السلطة الوطن فيه.

علمًا بأن العلاج متوفر لمن يرغب، وقلبه على الوطن، ولمن ينظر إلى المستقبل، ويبحث عن الأمل والاستقرار والألفة والبناء والتنمية والعدالة والرفاه. وكل ذلك لا يمكن أن يكون إلا من خلال احترام إرادة المواطنين وخياراتهم ودورهم، لا تهميشهم وإقصائهم وإفقارهم وتجويعهم وحرمانهم وتخويفهم واستبعادهم.