الدولة في البحرين للمجتمع الديني: أنا ربّكم الأعلى!

2026-09-09 - 10:47 م

مرآة البحرين: آخر الابتكارات في البحرين ترخيصٌ من أجل الوعظ والإرشاد. هذا ما أعلنته وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف في سياق ما أسمته تطوير إجراءات تنظيم تراخيص الوعظ والإرشاد وتعزيز الأطر التنظيمية للعمل الديني.

وبموجب القرار، تُشكّل لجان مختصة في الإدارات العامة المختصة، بحسب الأحوال، تضم عددًا من ذوي الخبرة والاختصاص في المجالات الشرعية والإدارية والفنية، وتتولى وضع معايير وضوابط الترخيص بمزاولة أعمال الوعظ والإرشاد وما في حكمها في دور العبادة والمآتم والمرافق الأخرى، وتحديد المستندات والوثائق اللازمة للحصول على الترخيص، ومن بينها شهادة حسن السيرة والسلوك سارية المفعول.

ما الذي سيحصل في البحرين بعد؟ كلّ شيء بترخيص وإذن مسبق. قرارٌ تجاوز كلّ الخطوط الحمراء ويُشكّل تعدّيًا سافرًا على كرامة كلّ صاحب سيرة دينية قضى عمره في الوعظ والإرشاد وبات اليوم يحتاج إلى شهادة سلوك لترضى الدولة عنه وتسمح له بممارسة دوره الديني والتبليغي والتوعوي.

في البحرين أصبحت ممارسة العبادات الإسلامية تحتاج إلى إذن الحكومة، وكذلك الرسالة العلمية وأحكام الحج والشريعة. زد أيضًا، الصلاة والصوم والدعاء ومجلس العزاء وقراءة القرآن وزيارات العتبات المقدسة. هي واجبات وشعائر قد ترى الدولة فيها ميدانًا للتحكّم بالعباد والسيطرة.
لم يبقَ بحريني مستهدفٌ من هذه القرارات المتلاحقة إلّا وسخر من حجم القبضة السلطوية على كلّ الشعائر الإسلامية المحصورة بالشيعة في البحرين. الأمر لا يحتاج الى مُهادنة ومواربة، الحكومة تريد وعظًا وإرشادًا على مقاسها وحدها. لم تعد تتحلّى الدولة بشيء من الخجل أثناء إصدارها قرارتها.

الفئة المستهدفة قالت كلمتها. علماء البحرين الشيعة حرّموا الانصياع لقرارات السلطة بشأن ضوابط وآداب الخطاب الديني الصادرة من وزارة العدل. كذلك الحال بالنسبة للمواطنين، إذ أكدوا رفضهم الهيمنة على الخطاب الديني.

ولأن المسألة وصلت إلى حدّ من الجرأة والوقاحة غير مسبوق، أطلقت السلطة دعايتها الترويجية لموافقة مزعومة وترحيب كاذب لجمْعٍ من المشايخ للقرار الصادر مؤخرًا، مع معلومات عن ضغط فُرض على كثير من الأسماء لإعلانها تأييد خطوة وزارة العدل.

الحقيقة التي لا تحتاج إلى تفسير وترجمة هي أن الدولة قررت أن تمتد يدها إلى أكثر المساحات تماسًا مع حياة الناس والعباد في البحرين: ماذا يقولون في منابرهم، ومن يقول، وأين يقول، وبأي صيغة، وتحت أي سقف من الضوابط التي تضعها الإدارة.

لم يعد يكفي أن يكون الواعظ عالمًا أو خطيبًا أو صاحب تاريخ معروف بين الناس. عليه أولًا أن يمر من بوابة الترخيص، وأن يحمل أوراقه، وأن يثبت حسن سيرته وسلوكه، وكأننا أمام طلب وظيفة حكومية لا أمام رجل يقف على منبر ديني يخاطب الناس في شأن عقيدتهم وعبادتهم.

الطائفة الشيعية في البحرين لا تحتاج إلى من يعرّفها على الوعظ والإرشاد، ولا إلى جهاز إداري يمنحها شهادة بأن هذا الخطيب أو ذاك الواعظ "حسن السيرة والسلوك". هؤلاء الناس خرجوا من بيئة دينية عريقة، ومن مدارس علمية ومجالس ومآتم وقراءة ومنبر، وبعضهم أمضى عقودًا في خدمة المجتمع وتعليم أبنائه وإحياء شعائره. فهل أصبحت السيرة الدينية الطويلة أقل قيمة من ورقة تصدرها جهة حكومية؟ وهل صار الخطيب الذي يعرفه أهل منطقته، ويعرفون علمه وأخلاقه وتاريخه، بحاجة إلى أن يطلب من الدولة أن تشهد له بأنه صالح لأن يتحدث في دينه؟

تُراكم السلطة في البحرين سجّلًا طويلًا من التدخل في الشأن الديني الشيعي، من تنظيم المآتم والشعائر، إلى التضييق على الخطباء والرواديد، وصولًا إلى محاولة رسم الحدود التي ينبغي أن يتحرك داخلها الخطاب الديني.

إنها فلسفة كاملة تقول للمواطن الشيعي: دينك لك، لكن بموافقتنا، منبرك لك، لكن بإذننا، مأتمك لك، لكن وفق ضوابطنا، وخطيبك الذي تعرفه منذ سنوات، نريد أن نعرف نحن أولًا إن كان مسموحًا له بالكلام.

وهكذا تتحوّل الحرية الدينية من حق أصيل إلى معاملة إدارية، ويتحوّل المنبر من مساحة للتبليغ إلى مساحة تنتظر ختم الموافقة. وفي النهاية، يبدو أن البحرين تتجه إلى اختراع قاعدة جديدة في إدارة الحياة الدينية: حتى الكلام عن الله يحتاج إلى تصريح من الدولة!

وإذا استمر هذا المسار، فلن يكون مستغربًا أن يأتي اليوم الذي يحتاج فيه المؤمن إلى ثلاثة أختام قبل أن يفتح فمه: ختم للصلاة، وختم للدعاء، وختم يثبت أنه كان مؤدبًا بما يكفي كي يُسمح له بالحديث عن دينه.