من اعتقال العلماء إلى حصار الشيعة: نظام البحرين يصنع أسباب انتفاضة جديدة
عباس المرشد - 2026-09-11 - 9:10 م
مرآة البحرين: لا تبدو الإجراءات التي اتخذتها البحرين خلال الأشهر الأخيرة قرارات منفصلة فرضتها الحرب على إيران. فمنذ مايو/أيار 2026 أخذت «ولاية الفقيه» موقعًا مركزيًا في تفسير الحكومة للخطر الداخلي؛ ربط الخطاب الرسمي بينها وبين المجلس العلمائي والوفاق وشبكات المال والمساجد والمآتم، وتحدث وزير الداخلية عن الانتقال إلى «المعالجة الجذرية»، ثم امتدت المواجهة في موسم عاشوراء إلى الرايات والشعارات والمآتم. وفي سبتمبر/أيلول توسع نظام الترخيص ليشمل الخطباء والمنشدين الدينيين، مع اشتراط «حسن السيرة والسلوك» إلى جانب الاختبار والمتابعة والترخيص المحدد المدة.
لكن جمع هذه التطورات تحت عنوان الحرب على إيران يخفي نصف الصورة. فما يحدث عند نقطة التقاء مسارين مختلفين: مسار داخلي بدأ منذ انتفاضة التسعينيات، حاولت خلاله الدولة احتواء القوة التي يمثلها العلماء والمؤسسات الدينية الشيعية؛ ومسار إقليمي أحدث بدأ مع إعادة تموضع البحرين بعد التطبيع، واتسع مع حروب ما بعد 2023، قبل أن يصل بعد الحرب على إيران إلى إعادة تعريف الجسم العلمائي ومصادر تأثيره من خلال الحرب على «ولاية الفقيه». خطورة اللحظة الحالية أن المسار الثاني وجد أمامه جهازًا قانونيًا وإداريًا بناه المسار الأول طوال ثلاثين عامًا.
الأخطر أن هذه النقلة تجري داخل سياق إقليمي أوسع يستهدف إيران والقوى المرتبطة بها منذ 2023. وبعد الحرب على إيران أخذت البحرين تعيد إدخال مجتمعها الشيعي في هذه المواجهة من بوابة «ولاية الفقيه»، ناقلةً دائرة الاستهداف من التنظيمات السياسية إلى العلماء والمآتم والمرجعية والشعائر. وبذلك تتحول البحرين إلى ساحة داخلية لمشروع إقليمي بدأ بمواجهة النفوذ الإيراني، لكنه يتجه عمليًا إلى حصار المجال الشيعي نفسه.
المسار الأول: احتواء قوة العلماء
بدأت المحاولة بوضوح سنة 1996، في قلب انتفاضة التسعينيات، عندما أنشأت الدولة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ومنحته اختصاصات تتعلق بمؤهلات الأئمة والخطباء والمرشدين وخطباء المساجد والمآتم ومتابعة طلبة العلوم الشرعية. وكشفت المسودة الحكومية السابقة لإنشاء المجلس أصل المشكلة حين ربطت بين خريجي العلوم الدينية الذين لا يجدون عملًا وبين قدرة الحركات على استقطابهم وتمويلهم واستخدامهم في الدعوة.
كانت الفكرة تتجه إلى وضع المجال الديني المتشعب تحت مظلة تنظيمية عليا تستطيع الدولة من خلالها الوصول إلى رجاله ومؤسساته. لكن المشروع اصطدم منذ البداية بقوة العلماء واستقلال شرعيتهم الاجتماعية. فقد اعترض العلماء على مشروع 1996 قبل صدوره، ورفضوا تدخل الدولة في اختيار الخطباء والأئمة والتعليم الديني، ودافعوا عن إدارة المجتمع الشيعي لشؤونه الدينية.
استمرت المواجهة بأشكال مختلفة. ظهر الخلاف على تحديد المناسبات الدينية، وعلى تدخل المجلس في شؤون العلماء، ثم واجه مشروع إدخال الأئمة والخطباء في الكادر الوظيفي مقاومة لأن الراتب الحكومي كان يفتح الباب أمام تحويل الإمام إلى موظف يمكن للدولة أن تحدد مؤهلاته ودرجته وعلاقته بالمؤسسة التي يعمل فيها. وفي المآتم والمساجد ظل قبول المجتمع بالعالم والخطيب مصدرًا للشرعية لا تستطيع القرارات الإدارية أن تحل محله.
لهذا لا يصح قراءة التشريعات المتراكمة باعتبارها تاريخ نجاح متصل للدولة. فتراكم القوانين كان في جانب منه دليلًا على استمرار المشكلة التي عجز القانون السابق عن حسمها. لم يتحول المجلس الأعلى إلى مرجعية للشيعة، ولم يحل الراتب محل العلاقة بين الإمام وجمهوره، ولم تنه قواعد الخطاب الخطيب المعارض.
لذلك، انتقلت الدولة من أداة إلى أخرى. جاء كادر الأئمة والمؤذنين، ثم «آداب الخطاب الديني» سنة 2009، فالترخيص للوعظ سنة 2011، وتنظيم جمع الأموال الدينية سنة 2013، قبل توسيع السيطرة على الوقف والمتولي ودور العبادة والحسابات في 2021. وعندما لم تكف الأدوات الإدارية، حضرت الوسائل الأمنية، كما ظهر بحدة في 2011 ثم في أزمة الدراز وملاحقة الخطباء بعد 2016.
كان مركز المشكلة طوال هذا المسار قوة العلماء وقدرتهم على الاحتفاظ بنفوذ مستقل عن الدولة. استطاع القانون توسيع صلاحيات الإدارة، لكنه لم يستطع نقل المرجعية الدينية إليها أو إلغاء قدرة العالم على استمداد مكانته من المجتمع والحوزة والمأتم والمرجعية.
المسار الثاني: التطبيع ومشروع الحرب على الشيعة
لم يصنع التطبيع سنة 2020 هذه السياسة، فقد كان معظم جهازها قائمًا قبله، لكنه وضع البحرين في سياق إقليمي جديد. ثم وسعت حرب 2023 وما أعقبها من مواجهات في لبنان واليمن والعراق وإيران دائرة الصراع مع القوى المرتبطة بطهران. وبعد الحرب على إيران في 2026 ظهر التحول الأكثر وضوحًا داخل البحرين.
لم تكن «ولاية الفقيه» جديدة على الخطاب الرسمي؛ فقد تحدث عنها وزير الداخلية منذ 2016 بوصفها شكلًا من «الولاء الخارجي». الجديد في 2026 هو تغير وظيفة هذا الاتهام نفسه. فبعد الحرب على إيران لم تعد المسألة محصورة في ملاحقة عالم أو تنظيم بسبب موقف سياسي، بل أخذت تتجه إلى المجال الذي ينتج القوة العلمائية ويحافظ عليها.
ظهر ذلك عندما ربط الخطاب الرسمي المجلس العلمائي بالوفاق، وقدم الأول باعتباره «الجناح الفقهي» والثانية باعتبارها «الجناح السياسي»، ثم وصل إلى المال والمساجد والمآتم والتعبئة والحديث عن محاولة «تغيير واقع الفقه الشيعي في البحرين».
هذه نقلة تتجاوز ملاحقة أفراد من العلماء بسبب مواقفهم. فالجسم العلمائي الذي أثبت خلال المسار الأول قدرته على مقاومة محاولات الاحتواء أصبح في المسار الثاني جزءًا من تفسير المشكلة نفسها. ومعه تدخل الدائرة مصادر قوته: المأتم الذي يوفر له المجال الاجتماعي، والمنبر الذي يمنحه الوصول إلى الجمهور، والمال الذي يحفظ استقلال المؤسسة، والمرجعية التي تمنحه سندًا دينيًا يتجاوز الدولة.
لهذا اكتسب موسم عاشوراء 2026 أهمية خاصة. انتقلت المواجهة من التنظيم السياسي إلى المآتم والرايات والشعارات والعزاء، ثم جاء قرار سبتمبر/أيلول ليوسع الترخيص إلى الخطباء والمنشدين الدينيين. ولم ينشئ القرار نظامًا جديدًا بقدر ما جمع أدوات تراكمت منذ سنوات في لحظة سياسية مختلفة تمامًا عن تلك التي ولدت فيها.
من مواجهة العلماء إلى مصادر قوتهم
هنا يلتقي المساران. بنت الدولة طوال ثلاثة عقود أدواتها في مواجهة معارضة كان العلماء أحد أهم مصادر قوتها، لكن مقاومتهم عطلت جانبًا مهمًا من النتائج التي أرادتها سياسات الاحتواء. أما في 2026 فقد اتجهت هذه الأدوات إلى المأتم والمنبر والمال والمرجعية والشعيرة، وهي العناصر التي حفظت للقوة العلمائية استقلالها الاجتماعي رغم اتساع التنظيم والقمع.
وهذا هو التحول الذي يفصل 2026 عما بدأ سنة 1996. لم تعد السياسة تسعى إلى إدخال رجل الدين والمؤسسة الدينية في شبكة التنظيم الحكومي فحسب، بل أخذت تستهدف مصادر القوة التي مكّنت العلماء من مقاومة هذا الإدماج طوال العقود الماضية. بذلك ينتقل الصراع من احتواء العلماء إلى حصار المجال الشيعي الذي يستمدون منه قوتهم.
مأزق سياسة الملك الطائفية
تدخل سياسة الملك هنا مأزقها الأصعب. فإذا بقيت إجراءاتها ضمن حدود التنظيم، ستعيد إنتاج فشل المسار الأول أمام رسوخ البنية العقائدية والاجتماعية الشيعية. وإذا حاولت تجاوز ذلك بإخضاع مصادر القوة العلمائية، فقد تنقل المواجهة من معارضة سياسية إلى مجتمع يرى أن مؤسساته الدينية وعقيدته ومجاله الاجتماعي أصبحت موضع الاستهداف.
عندها يكون النظام قد صنع بنفسه أسباب انتفاضة جديدة. فبعد ثلاثة عقود من اعتقال العلماء ومحاولة احتواء نفوذهم، قد يقود فشل هذه السياسة إلى مواجهة أوسع مع المجتمع الشيعي نفسه.
- 2026-09-10بيانات وتظاهرات ترفض وصاية السلطة على المذهب.. لا ترخيص للعقيدة ولا إخضاع للشعائر
- 2026-09-10إلغاء الدستور واستبداله بـ"تقرير البندر" !
- 2026-09-09قرارات وزارة العدل الأخيرة قد تصل إلى تحديد مكافآت المآتم للخطباء
- 2026-09-09الدولة في البحرين للمجتمع الديني: أنا ربّكم الأعلى!
- 2026-09-07«المختار».. عين أخرى لوزارة الداخلية.. لا تغيب!