حديثٌ منفصم عن "مكتسبات حقوقية".. إنها البحرين يا سادة!

2026-09-17 - 3:54 م

مرآة البحرين: بتكليف من الملك حمد بن عيسى، استقبل وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان علي أحمد الدرازي، الذي رفع إليه التقرير السنوي الثالث عشر للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لسنة 2025 حول الجهود والتطورات الحقوقية في المملكة.

وخلال اللقاء، نقل وزير الديوان الملكي تحيات الملك لدور المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان والأعضاء والأمانة العامة، مشيدًا بما تضمنه التقرير السنوي من "إنجازات تعكس المكتسبات الحقوقية والتقدم المستمر" الذي تشهده المملكة في ظل المسيرة التنموية الشاملة. كما أكد الوزير حرص الملك ودعمه المستمر لتعزيز منظومة حقوق الإنسان، وترسيخ مبادئ سيادة القانون والعدالة.

نعم يا سادة إنها البحرين. كوكب الاعتقالات اليومية يتحدّث بكلّ بساطة أو ربما سذاجة وثقة مُتعالية عن مُكتسبات حقوقية وتقرير خاص بها! المسألة تحتمل فرضيّتيْن لا ثالث لهما: إمّا أن الملك يستغبي الناس، وإمّا أن الملك لا يدري ولا يطّلع على ما يجري على الأرض. الأغلب أن الحاكم المتسلّط الذي يُمسك بكلّ مفاصل الدولة، يعرف حجم الحملة الأمنية ضدّ المواطنين الذين لا يعجبونه ولا يُطبّلون له.

السلطة الحاكمة اذًا ما زالت تتعامل مع هذه التقارير وكأنها شهادة براءة من كل ما يجري في البلاد. أيّ "مكتسبات حقوقية" تلك التي يُحتفى بها فيما الاعتقالات والاستدعاءات والمحاكمات على خلفية التعبير والمواقف السياسية والدينية لم تتوقف؟ وأيّ "تقدم مستمر" يمكن الحديث عنه فيما ما يزال المواطن البحريني يدفع ثمن موقفه أو كلمته أو نشاطه الديني والسياسي؟

المشكلة أن الخطاب الرسمي لا يكتفي بتجميل الواقع، بل يحاول قلبه رأسًا على عقب. فالاعتقالات تصبح إجراءات قانونية، والتضييق يصبح تنظيمًا، ومصادرة المجال العام تصبح حماية للنظام، بينما يُطلب من المواطن أن يصف كل ذلك بأنه "مكتسبات حقوقية".

والأكثر إثارة للسخرية أن التقرير يُرفع إلى الديوان الملكي، ثم تصدر الإشادة من السلطة نفسها التي تملك القرار في أجهزة الأمن والقضاء والتشريع والإدارة. أي أن السلطة تستقبل تقريرًا عن حالة حقوق الإنسان في الدولة، ثم تحتفي بما ورد فيه، وكأنها جهة مراقبة محايدة لا صاحبة القرار والمسؤولية الأولى عمّا يحدث. فإذا كانت أوضاع حقوق الإنسان في البحرين بهذه الصورة المُشرقة التي يرسمها الخطاب الرسمي، لماذا تستمر حملات الاستدعاء والاعتقال والمنع والتضييق؟ ولماذا يتحوّل التعبير عن الرأي إلى مخاطرة؟ ولماذا يُعامل النشاط الديني والسياسي باعتباره ملفًا أمنيًا متى خرج عن المساحة التي تحددها السلطة؟

البحرين لا تحتاج إلى تقرير يصف لها صورة وردية عن نفسها، بل إلى حقوق فعلية لا تحتاج معها السلطة إلى إقناع الناس بأنها تحترم حقوقهم. أما أن تُمسك السلطة بكل مفاصل القرار، ثم تستقبل تقريرًا حقوقيًا يمدح "المكتسبات" المزعومة وتصفّق لنفسها وله، فهذه ليست معالجة لأزمة حقوق الإنسان، بل محاولة لإدارة صورتها.

وفي بلد يعرف مواطنوه جيدًا أين تبدأ حدود الكلام وأين تنتهي، يصبح الحديث الرسمي المتكرر عن الحقوق أشبه بالسؤال الأكثر استفزازًا: إذا كانت هذه هي "المكتسبات الحقوقية"، فكيف يبدو القمع إذًا؟