لماذا لا تتوب المعارضة؟
إبراهيم علي - 2026-09-19 - 10:39 م
مرآة البحرين: قد نكون مضطرين لإعادة تعريف المعارضة قبل 2011، وبشكل هادئ بعيداً عن أجواء الضربة الأمنية التي يستغلّها البعض للتنفيس عن عقده الذاتية تجاه تيارات المعارضة، ويقدّم ما يسميه خطاباً وطنيّاً، ليس إلا نسخة من خطابات العبيد، أولئك الذين يتسيّدون وطننا حالياً، ويرون الملك والعائلة الحاكمة والحكومة معصومين عن الزلل، وأنّ الوطنية تعني أن ننتمي لهذه الجوقة.
ولابد أن نؤكد على نقطة، أنّ هذا المقال ليس لأولئك الناكرين للحقائق التاريخية، مثلهم مثل جيوش الموالين الذين يرفعون أصواتهم وقت الحقيقة، حتى لا يستمع إليها أحد، ولا لأولئك الذين يتبنون منهجاً مخالفاً لفطرة الإنسان نفسه، ويعتقدون أنّ المعارضة وتياراتها يجب أن تخضع للنظام الحاكم على أيّ حال، وأن تعتذر وتتراجع وتذهب للبحث عن شأنٍ آخر، وأن لا تصدّع رؤوسنا بـ"الشعارات" -هكذا يقولونها-، وأن تبحث على الدوام في نفسها عن الخطأ الذي أدّى بالأوضاع إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه، وأن تلوم نفسها على ذلك، وتشعر بالذنب المزمن، وتعيش حالة جلد الذات.
هذا المقال لهؤلاء وليس لهم، أو لعلّه عنهم في الحقيقة.
على أيّة حال، فالمعارضة بعد انتهاء حقبة التسعينيات، أبرزت خطاباً وطنياً عملياً، وتبنت منهجية سياسية تشاركية في الدولة، رغم السلبيات الكثيرة التي صاحبت أجواء التوقيع على ميثاق العمل الوطني عام 2001، وما وصّفته المعارضة بعد ذلك بالتراجع الدستوري، ثم التراجع عن صلاحيات المجلس المنتخب، وتعقّد المشهد السياسي بعد ذلك نتيجة لهذه التراجعات.
وحتى قبل أن يحسم التيار الأغلب أمره بالمشاركة في الانتخابات النيابية عام 2006، لم تتبنَ المعارضة حينها -بمختلف أطيافها- المواجهة الشرسة مع السلطة، وكانت حدودها قائمة عند أجنحة المتشددين منهم على وصف أنفسهم بـ"الممانعة"، الذي جُلّ أدواته هو مقاطعة الانتخابات، وهو خيار سياسي لا يتحمل أكثر من ذلك، إذ أن جميع القيادات التي تبنت هذا الخيار، لم تتبن في المقابل منهجية عنفية، ولم تدعُ للفوضى أو المواجهة المسلحة، رغم تعويلها الدائم على ورقة الشارع.
وقد عاشت المعارضة خلال هذه الفترة عقداً من خطابات تقديم النوايا الحسنة، ولعلّ أدبياتها تشهد لها على ذلك، بدءً من مشاركتها في الانتخابات كخطوة عملية لتلك الخطابات، وليس انتهاءً بممارستها أقصى درجات ضبط النفس تجاه استفزازات السلطة الدائمة، وانكشاف مؤامراتها تجاه المكونات الوطنية (تقرير البندر 2006).
وقد يطيب لنا أن نتحدّى، سواء أولئك الذين عنيناهم في بداية مقالنا أو غيرهم، ونتساءل بثقة عالية وبصدقٍ شديد: هل يمكن إنكار حقيقة أن المعارضة كانت ترفع خطاباً تشاركياً ولا تتبنى العنف أو إلغاء الطرف الآخر؟ هل يمكن إنكار أن المعارضة كانت تنادي على الدوام بالحوار الوطني؟
فكيف تُتهم اليوم بالتصعيد وبتضييع الفرص؟ ثم لا تُلام السلطة على عنفها وسجونها وتصعيدها الأمني في كلّ المراحل الماضية؟
ربما يعتقد هؤلاء أنّ مجرد اعتذار المعارضة الآن عن 2011، سيؤول بالأمور إلى عودة المياه إلى مجاريها، وأنّ السلطة ستحتضن من يتوب عن ذنب معارضته وستصلح الأمور، وهو تفكير سطحي لا يفهم التعقيدات السياسية الحالية، فالأنظمة الخليجية الأخرى -الكويت والإمارات مثلاً- لم تكن تنتظر من الشيعة هناك أن يثوروا أو حتى يكتبوا بياناً واحداً للاعتراض على أمر ما في بلدانهم لتدخلهم السجون، وليس بينهم وبين دولهم تاريخ من الصراعات الحادّة أو المواجهات الشديدة، إلا أنّهم واجهوا ما واجهه شيعة البحرين بعد اندلاع الحرب الصهيوأمريكية على إيران (فبراير 2026)، هذا فضلاً عمّا وصله النظام في البحرين من حالة طغيان وصلت إلى حدّ إلغاء المجتمع، على مستوى أفراده ومؤسساته وكل ما يتعلّق به، وهي حالة تتجاوز حالة الاستبداد العادي الذي يفعل ما يريد ولكنه يسمح للمجتمع بشيء قليل من الحريات.
وحتى لا نسهب كثيراً في تناول حقائق تاريخية كثيرة، فالمعارضة مارست دوراً تاريخياً طبيعيّاً كما تمارسه أيّ حركات سياسية أخرى من حول العالم، وعاشت سيرورتها بشكل طبيعي دون مغامرات مرحلية أو قفزات تهورية، ورفعت مطالب وطنية خالصة راعت فيها الظروف الموضوعية، وهي حتى عندما تبنت انتفاضة 2011 بعد ذلك، إنما تبنتها لأنّ سياقها المرحلي يجاري الربيع العربي، وهو عامل لا شك يضيف ورقة ضغط على السلطة للتنازل، بعد عقود من التعنت والممانعة، على الأقل وفقاً للمنطق السليم، لولا أنّ السلطة واجهت هذه الانتفاضة السلمية بعقيدة أمنية أكثر عنفاً، واختارت التحجّر والتصلّب بصورة أشدّ!
مشكلة الخطاب سالف الذكر الذي يأخذ مساحته في الجو العام حالياً تحت غطاء الضرب الأمني، ويستغل خوف الناس لرفع صوته، أنّه خطاب يعيش ضغطاً نفسياً واضحاً نتيجة الظروف التي خلّفتها الحملة الأمنية المستمرة منذ 2011، وبالتالي لا يمكن التعويل على هذا النوع من الانهزامية على أنه طريق جديد للمراجعات، لأنّ المراجعات لا تُؤخذ من الإنسان المذعور تحت رحمة التهديد والضربات المتوالية، ولا تُسمع ممّن يترك الطريق في منتصفه يأساً من المسافات ونزولاً عند المشاعر السلبية، ولا شك أنها محمودة عندما تأتي متجرّدة من كلّ ذلك، وفي ظروف متحررة من الخوف والاستسلام النكوصي، ومتسلطة على العقل بكامل تلابيبه.
ولعلّ أبرز علامة على انهزامية هذه الخطابات وعدم اتّزانها أمام هول الضربات، وعيشها داخل دائرة الصدمة، هو توجيهها اللوم بشكل أحادي إلى الضحية، وإلصاق مسؤولية "الدمار الوطني" الذي خلّفته السلطة بالمعارضة حصراً، وبخطابها وحراكها وبياناتها وشعاراتها وكلّ ما يتعلّق بها، والاكتفاء بتبرير عنف السلطة وسلوكياتها وعنجهيتها، الأمر الذي يجانب الاتّزان الموضوعي المطلوب في المراجعات المنصفة.
إلى هنا، نقول أنّ توبة المعارضة عن معارضتها وفقاً لرغبات بعض الحالمين بعودة المياه إلى مجاريها، لا تكفي في هذا الوقت للملمة هذا الدمار الشامل، وإنْ حَسُنَت النوايا، خصوصاً وأنّ النظام غارق في الأجندة الإقليمية، ويملك من الدعم الخليجي والأمريكي والصهيوني ما يغنيه عن شعبه. وأنّ واقع التجريف الحاصل، والحرب على الشيعة، لا يرتبط بتداعيات 2011 على نحو الحصر، ولا يملك هؤلاء أن يقولوا أنّه ما كان ليحصل لولا 2011، فالكويتيون والإماراتيون لم يكن لديهم 2011، ولعلّ من الأصحّ أن نبحث عن كيفية مقاومة هذا الواقع بأدوات فعّالة، وبرؤى لا تمتهن كرامة الإنسان.