قصة قصيرة: العَلَم الأسود
حسن ناصر - 2026-09-28 - 2:57 م
مرآة البحرين:
* ملاحظة: هذه قصة أدبية متخيلة مستلهمة من سيرة الشيخ عبدالأمير الجمري رحمه الله، ولا سيما اعتقاله وحصار منزله وعائلته أثناء أحداث التسعينات في البحرين.
في الليلة الأولى من الحصار، بقي العلم الأسود مرفوعًا فوق بيت الشيخ عبدالأمير الجمري في بني جمرة. كانت الريح تحركه ببطء في سماء القرية، فيرتفع ثم يميل، ويعود إلى مكانه كلما هدأت، بينما تدور المركبات الثقيلة في الشوارع المحيطة، مسلطة أضواءها الحادة على الجدران ثم تمضي. وكلما مرّت واحدة، ارتجف ظل العلم على الجدار المقابل، فترتفع رؤوس النساء والأطفال نحوه قبل أن تعود إلى مواضعها الصامتة.
تجمعت العائلة في الغرفة القريبة من المدخل. لم يجلس أحد في مكانه المعتاد؛ النساء بمحاذاة الجدران، والأطفال في الأحضان، والرجال أقرب إلى النوافذ والأبواب. بقيت صينية الشاي في وسط الغرفة دون أن تمتد إليها يد، وجف الخبز في سلته، وظل المصباح مضاءً على الرغم من أن الليل كان كثيفًا خارج الزجاج.
جلس الشيخ قرب الباب؛ عمامته إلى جواره، وسبحته لا تفارق أصابعه. كان يحرّك حباتها ببطء، حبة بعد أخرى، ثم تتوقف حركة أصابعه تمامًا كلما اقترب صوت من الخارج. وكان صادق، ابنه الأكبر، يقف عند حافة النافذة، يحاول أن يرى ما وراء الستارة، قبل أن يعود بصمت إلى مكانه، ممرّرًا كفه على وجهه بحركة عصبية مكبوتة.
دخل مهدي يحمل كوبًا من الماء بكلتا يديه. كادت قطرة أن تسقط حين بلغ أباه، فأخذ الشيخ الكوب ووضعه على الحصير، ثم مسح بإبهامه القطرة العالقة عند حافته. ظل مهدي يطيل النظر إلى يد أبيه، ثم رفع عينيه ليسأله إن كان الرجال في الخارج سيدخلون عليهم.
أشار إليه الشيخ بهدوء ليذهب إلى أمه، لكن الصبي لم يتحرك. رفع بصره إلى النافذة حيث يلوح طرف العلم الأسود فوق السطح، وسأل بصوت خافت لماذا لا ينزلونه.
نظر الشيخ إلى حيث ينظر ابنه، وقال بصوت مطمئن:
- العلم يعرف مكانه.
لم يستوعب مهدي تمامًا، لكنه ظل يتأمل وجه أبيه، بينما عادت أصابع الشيخ لتستأنف دورانها البطيء فوق حبات المسبحة.
توقفت مركبة فجأة أمام البيت. انطفأ صوت المحرك. جاء الطرق الأول على الباب، فانتفض طفل في حضن أمه، وسقط إناء معدني من يد امرأة تجلس قرب الجدار. تدحرج الإناء لحظات قبل أن يستقر، وبقي صوته يتردد في أرجاء الغرفة أكثر مما ينبغي.
جاء الطرق الثاني، ثم ارتفع صوت جاف يأمرهم بفتح الباب.
اقترب صادق من أبيه وقال إنهم سيكسرون الباب إن لم يستجيبوا. نظر الشيخ إلى الباب ثم إلى ابنه، وقال إن من أراد الدخول فلن يمنعه الباب. ظل صادق واقفًا ويده تحوم حول المزلاج، ينتظر إشارة أخرى، لكنه لم يسمع شيئًا. أنزل يده ببطء وعاد إلى مكانه.
كان مهدي قد اقترب من أبيه وأمسك بطرف ثوبه، وحينها رن الهاتف.
رفع صادق السماعة، ثم التفت إلى أبيه ليخبره أن منصور يتصل من المهجر. أخذ الشيخ الهاتف، فجاءه صوت ابنه متقطعًا، بعيدًا، كأنه يعبر مسافات من المنفى. سأله منصور عن حاله، فأجابه بأنه بخير، ثم سأله عن العائلة فقال إن الجميع إلى جواره.
اقترب مهدي من الهاتف وقال بصوت طفولي حاسم:
- العلم ما زال فوق البيت.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر، قبل أن يقول منصور:
- دعه مكانه يا مهدي.
رفع الصبي رأسه إلى السطح وقال بثقة:
- لن يسقط.
ابتسم الشيخ ابتسامة خفيفة لم يلاحظها أحد، وطلب من ابنه منصور أن يعتني بنفسه وألّا يقلق، وعندما أخبره منصور بأنه سيعاود الاتصال، طلب منه ألّا يكثر من الاتصال.
انقطع الخط. ظل الشيخ ممسكًا بالسماعة لحظة قبل أن يعيدها إلى طاولتها، وعاد مباشرة إلى سبحته.
مرّ ضوء إحدى المركبات من أسفل الباب، وتقدم على الأرض حتى بلغ قدمي مهدي ثم انحسر. رفع الصبي رأسه إلى أبيه وسأله إن كانوا سيأخذونه، فوضع الشيخ كفه العريضة على كتفه، وبقيت هناك.
ومن بعيد، تسلل إلى الغرفة صوت مأتم يقرأ مرثية حسينية. لم تكن الكلمات واضحة، إذ كانت تأتي واهنة من وراء البيوت والجدران، لكن النبرة عبرت الجدران كاملة. أغمضت إحدى النساء عينيها وحركت شفتيها دون صوت، فيما خفضت أم جميل وجهها نحو طفلها، وبقي صادق واقفًا ينظر إلى الباب.
سأل مهدي أباه إن كان العلم الأسود حزينًا.
رفع الشيخ عينيه نحو السطح، وظل صامتًا. لم يجب، بل شدّ برفق على كف ابنه الممسكة بثوبه، فارتكن الصبي إلى جانبه.
في الصباح، عادت المركبات، وكان عدد الرجال أضعاف الليلة الفائتة. كشف ضوء النهار قسوة المشهد، وأطبقت دوائر الحصار على الدار. نهض صادق حين سمع صرير الباب الخارجي، وقال لأبيه إنهم جادون تمامًا هذه المرة.
أجابه الشيخ بهدوء:
- أعرف.
قال صادق محذراً إن الباب لن يصمد، وسأله إن كان يفتح لهم. نظر الشيخ إلى مهدي النائم قرب الجدار وقد غطته أمه بطرف عباءتها، ثم التفت إلى الباب حيث تتعالى الأصوات، وقال:
- بعض الأبواب إذا فُتحت، لا يبقى بعدها للمرء باب.
جلس صادق جواره، صامتًا هذه المرة. كان مهدي يتحرك في نومه، ويداه تقبضان بقوة على طرف ثوب أبيه. دوّى الطرق مجددًا، أقرب وأعنف، حتى غطى على كل صوت في البيت.
ثم انفتح الباب عنوة.
امتلأ المدخل بالأحذية الخشنة والأوامر الحادة. تراجعت النساء إلى الخلف، وأمسكت أم جميل بذراع صادق، ثم تركتها في لهفة. وقف صادق كالسور أمام أخيه الصغير. لم يبكِ أحد؛ بقيت الحناجر مختنقة، وبقيت الدار كلها ساكنة.
نهض الشيخ ببطء، تناول سبحته، وسوّى عمامته بيده. وقبل أن يخطو خطوته الأولى خارج العتبة، التفت بنظرة أخيرة نحو السطح. كان العلم الأسود يرفرف في ضوء النهار، مشدودًا إلى الحبل رغم عصف الريح.
أمسك مهدي بيده وسأله إلى أين يذهب. انحنى الشيخ فقبّل جبينه، وطلب منه أن يبقى إلى جوار صادق. أراد الصبي أن يسأله متى يعود، لكن السؤال تكسر في حلقه. ضغط الشيخ ضغطة واحدة على كتف صادق، ثم خرج.
بقي الباب مفتوحًا.
بعد أسابيع، صار مهدي يصعد إلى السطح كل صباح. كان صادق يحمل له السلم ويقف تحته بثبات، بينما يتفقد الصبي الحبل والعقدة وطرف القماش الذي أخذ لونه يبهت تحت شمس حارقة. لم يعد يسأل عن موعد عودة أبيه، بل عن أشياء أخرى لم يكن صادق يعرف كيف يجيب عنها: هل يأكل؟ هل يسمع صوت المآتم من وراء الجدران؟
كان صادق يجيب حين يستطيع، ويلوذ بالصمت حين يعجز، رافعًا عينيه إلى العلم.
وفي صباح عاصف، انفلت طرف العلم من إحدى العقد، فاندفع مهدي نحوه، لكن صادق كان أسرع، فأمسك به قبل الحافة بقليل. صعد وحده، وثبّت العقدة، وشد الحبل بكل قوته. وقف لحظة يتأمل القماش؛ لقد تخللته شقوق صغيرة، وأكل البهتان سواده الداكن، لكنه ظل مرفرفًا فوق البيت.
ناداه مهدي من الأسفل بصوت قلق:
- هل سقط؟
أجابه صادق من أعلى:
- لا.
- وهل سيبقى؟
نظر صادق إلى العلم، وشدّ العقدة مرة أخيرة، ثم صمت.
في المساء، اتصل منصور. رفع صادق السماعة، فجاءه صوت أخيه مستفسراً عن أبيه. نظر صادق إلى مهدي، ثم إلى رقعة العلم الظاهرة من النافذة، وقال إن الشيخ لم يعد بعد.
ساد صمت طويل في الطرف الآخر، قبل أن يسأل منصور بصوت خافت عن العلم.
اقترب مهدي من الهاتف وقال:
- ما زال فوق البيت.
لم يرد منصور.
أغلق صادق الخط، وبقي الأخوان واقفين عند النافذة. كان الليل قد أطبق على بني جمرة، وما عاد يتبين من العلم سوى طرفه؛ يختفي في عتمة الريح ثم يعود.
مدّ مهدي يده فأمسك بطرف ثوب أخيه.
وظل صادق ثابتًا إلى جواره.
وفوقهما، العلم في مكانه.