غزوة الشيخ الأرعن!
علي رضي - 2026-10-01 - 6:29 م
مرآة البحرين: تثاءب البحر، في مساء يومٍ سبتمبري صائف وحار، وتدلى المصباح البرتقالي الشاحب في عريش الميناء مكتئباً.
لكنه بدى مبهجاً لقلوب كل هؤلاء الأطفال المتجمعين لسماع الحكاية.
إنّها ليلة خميس تجترّ معها سنابك التاريخ، وتستحثّ حنيناً غريباً يلاطم شواطئ القلب، مثل هذه الألحان الحزينة التي تعزفها أمواج البحر من تحت هذا العريش الآن.
يدخل الحاج مرهون وبيده إبريق شاي غَيّر لونه الفحم، يملأ استكانات الصيادين سواداً مُعتّقاً، ثم يجلس في زاويته متكئاً طرف المسند، ولا يعرف كيف يبدأ.
يتنحنح مثل خطيب ركب المنبر، يشدّ قطعة القماش البيضاء المصفرة على رأسه، ثم يعبث في إزاره قليلاً كمن يستعدّ لأمر، ويرتشف جرعة شاي.
مرّت دقيقة صمت، قبل أن يقول الحاج مرهون للأطفال وهم يصغون لرشّات الماء من تحتهم، أنّه سيبوح لهم بسرّ.
يتحشرج صوت الحاج مرهون، وهو يقول: كان لعمي جنّة غنّاء تسرّ الناظرين، تكسوها أعشاب تتمايل كلما هبّت ريح، وترقص على تهويدة القَدَر، بينما تجري مياه الينبوع العذبة فيها دون أن تنضب.
وفي جزء من هذه الجنة، تتداخل أشجار النبق واللوز والنخيل الفارعة، فتظلّل بقعاً من الأرض تتسلل لها خيوط الشمس بصعوبة، فتضيف إلى روعتها جمالاً فائقاً.
كان لعمي ثيران ثلاثة وبقرتان يستخدمها لمواسم الحرث، وفي كل فجر، يبدأ عمي يومه بحلب البقرتين، فيعود بجربتي الحليب إلى داره القريبة، ليفطر مع زوجته وأبنائه السبعة.
لم تكن لمزرعة عمي أسواراً تحميها، كانت محاطة بالنخيل والأشجار، وهذا يكفي بالنسبة له لكي يطمئن، لكن شقائه لم يكن سوى في هذا السور المفقود!
كانت تأتي على زرعه جمال الشيخ، فتأكل وتطأ الزرع والخضرة وتحيل البستان إلى خراب.
وفي ذلك الزمن
زمن القهر المجنون
كان جمل الشيخ شيخاً، لا أحد يمكنه الاعتراض على الجمل فضلاً عن الشيخ!
وبالمناسبة -استدرك الحاج مرهون حكايته-، لم تكن في البحرين جمال كثيرة، وإنما استجلبها الشيوخ مع دخولهم إليها، فهم من البدوْ، والبحرين جزيرة لا صحراء، ينتشر فيها الإتان والخيول، وهي مراكب الحَضَر على الأغلب، لكنهم عندما لم يجدوا في البحر ولا في الجزيرة ما يشير إلى وجودهم هنا، جعلوا من هذا الجمل نصباً رمزياً على قوارع الطرق والأماكن العامة، ليعبثوا في الدلالة على أن هذه الأرض لم يكن فيها سكّان من الحَضَر، وإنما مجموعات عرقية جاءت من كل مكان.
كان الأطفال يصيخون السمع لجرح الحاج مرهون وهو يُفتح. لشقاء عمّه غير المسوّر، ونشيج الينبوع المتدفق.
يعتدل الحاج مرهون في جلسته، ثم يتكئ على طرفٍ آخر، بينما تموء قطة من خارج العريش، بحثاً عن طعام يسدّ جوعها في هذه الليلة الرطبة.
ذات يوم..
غَضِب عمي على جمل الشيخ الأرعن، فجرحه في فخذه بمنجلٍ له يستخدمه في تشذيب الحقل، دون أن يعي أنه ارتكب شيئاً مهولاً!
كان صيّاد يُحدث جلبة في الخارج، ويقطع على الحاج مرهون قصّته، نَزَل بمهلٍ من مركبه الصغير بينما يشدّ إزاره المقلّم بخطوط سوداء، وفي يده اليسرى كيس صغير، لكن وجهه الأسمر، يُنبئ بخيبة أمل تمخر عباب روحه المتعبة، بدى حزيناً مثل مساء هذا اليوم الرتيب، ورَشّات الماء الخفيفة توشوش عقله السارح.
سأله الحاج عبد الرسول من فوق العريش بعد أن قام من جلسة الحكاية ليستطلع الأمر: ويشش ما في صيد اليوم؟
أجابه بإشارة من رأسه إلى الأعلى نافياً، ولم يتكلّم.
لا أسماك في جزيرة البحرين السابحة، لا مياه ولا ملح، والأسماك التي كانت تبحث عن صيادها لتقع في شباكه، هاجرت في مواسم طويلة إلى الشمال أو الجنوب، إلى مواطن لا يجفّ فيها الماء تحت رحمة الرمل، ولا يشمخ فيها الإسمنت منتصباً.
عاد الحاج عبد الرسول إلى مكانه ليستمع إلى بقيّة حكاية عمّ الحاج مرهون، بعد أن أشار للأطفال بيده ليعودوا إلى هدوئهم.
نَزَل جمل الشيخ بعد رحلته العابثة إلى مربضه في منطقة الرفاع مجروحاً، فأجتمع فداوية الشيخ من حوله يستطلعون الأمر. عرفوا المسألة دون أن يرويها لهم أحد، فأخذوا يطبّبون جرحه المتقيِّح.
تحذير الأهالي من ترك الجمال ترعى لوحدها وتعبث في بساتين الناس، لم يلقَ استجابة من أحد، فالأرض والبساتين ومن عليها مُلْكٌ للشيخ وتحت تصرّفه.
جاء الفداوية يهرعون بينما كان الشيخ يجلس القرفصاء أمام طشت ماء نحاسي، غسل الشيخ وجهه بالماء المبرّد وأخذ يعبث بجدائله المتدلية، لم يجرؤ الفداوية على إخباره بالأمر، وأخذوا يتداعون من أجل ذلك، خوفاً من فورة غضبه!
تلعثم قائدهم بعد أن سأله الشيخ عن الأمر، وقال بخوف: أهل سترة يا شيخ.. أهل سترة طعنوا أحد الجمال..
نظر الشيخ ناحية الفداوي وبدت عيناه محمرتين من الشرر، وأخذ شيطانٌ يعربد فوق رأسه ويسلبه عقله..
أمر الشيخ فداويته بالهجوم على أهل سترة.. للثأر من جرح الجمل!
لم ينتظر الفداوية إلى اليوم التالي، ومع غروب شمس ذلك اليوم، أمست سترة حلائل للشيخ الأرعن.
هبّت رياحٌ كالحة من خلف عاديات الفداوية وهي تسرع لسفك الدماء.. وبدى غبارها وهي تهرع نحو سترة مثل نُذر الحرب..
كان الناس يصلّون العشاء في سكينة الشفق الحزين، عندما سمعوا أصوات عدو الخيل تقتحم أزقّة مساكنهم، وتصوّب الرصاص بجنون..
اعتلت الأصوات وتداخل صياح النساء والأطفال وهم يهربون رعباً.
كل شيء كان حلال الفداوية وتحت تصرّفهم.
ولأنّ جمل الشيخ أثمن من أعراض حلائل سترة، كان الفداوية يدخلون الدور فيهاجمون حرائرها ويغتصبون من تقع في أيديهم.
كانت نخيل عمي تشتعل بالنيران عندما خرج من داره حاملاً سلاحه الصدئ.
وجّه عمي سلاحه حتى أفرغ ما فيه كلّه، ثم تناول منجله الذي يشذّب به أعشاب حقله، وأخذ يهاجم الفداوية حتى أردوه بطلقاتٍ في وجهه.
كان القتلى يملؤون الأزقة، والدماء تُلوِّن الطرقات وتكسوها ألقاً بحمرةٍ قانية، فرّ من أهالي تلك الجزيرة من فرّ، ومن بقي فيها يقاوم غزوة الفداوية مات برصاصهم.
تنهّد الحاج مرهون واغرورقت عيناه بالدموع.. مرّت عليه ملامح عمّه وهو غارق في دمه.. لكنه تماسك..
الأطفال من بينه صاروا مثل من عرفوا شيئاً من معاناة أجدادهم مع الشيوخ القادمين من وراء هذا البحر..
وبينما لا تزال أمواج الشطّ تعزف ألحانها من تحت هذا العريش المُضاء بحمرة الشفق، بدت حمامة تنشد لحناً بحرانياً حزيناً، وترفرف بأجنحتها هاربة نحو التاريخ..
--------
*هذا النص مستوحى من كتاب "من هو البحريني" للدكتور علي الديري، وكُتب بشكل عفوي أثناء قراءة الكتاب.