لن يُغفر الجهل بالتاريخ: حين سلّم آل خليفة البحرين لإيران ودفعوا الجزية لها

عباس المرشد - 2026-10-07 - 7:22 ص

تعيدنا قراءة الأرشيف الإيراني، بعد وثائق المال ومحاولات شراء المواقف، إلى ملف أقدم وأكثر إحراجًا. هذه المرة لا يتعلق الأمر بشائعة عن رشوة أو محاولة استمالة شخصية سياسية، وإنما برسائل بعثها حاكم البحرين الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة إلى الدولة القاجارية، يقر فيها بتبعية البحرين لإيران، ويعرض دفع المال للشاه ورفع العلم الإيراني بشعار السيف والأسد فوق مقر حكمه.

من شأن هذه الرسائل الأرشيفية أن تضع خطاب السلطة البحرينية الحالي أمام تاريخ يصعب تجاوزه. فالملك ووزير الداخلية يقدمان الارتباط السياسي بإيران اليوم بوصفه مسألة ولاء، وذهب وزير الداخلية في خطابه في مايو/أيار 2026 إلى القول إن «ولاية الفقيه» تعني «الولاء والطاعة للولي الفقيه في إيران»، وإن الانتماء السياسي لأتباعها لم يعد مرتبطًا بالدولة التي يعيشون فيها. لكن الوثيقة التي أمامنا تطرح على هذا الخطاب سؤالًا تاريخيًا أكثر إحراجًا: ماذا نسمي حاكمًا من آل خليفة لم يكتف بتأييد إيران أو الاعتقاد بمرجعية فقيه فيها، بل كتب إلى شاه إيران مُقرًا بتبعية البحرين ورعاياها لايران ، وقابلًا بدفع مبلغ سنوي إلى خزانتها ورفع رايتها في البحرين؟ الفارق هنا جوهري فما يستخدمه الخطاب الرسمي اليوم للاتهام هو الولاء السياسي لإيران، أي تأييد إيران لا أكثر، بينما تضعنا رسائل محمد بن خليفة أمام مستوى أبعد: الإقرار بتبعية البحرين نفسها للدولة الإيرانية.

والرسائل ليست مادة إيرانية متأخرة كي يطعن في تاريخيتها فقد وصلت نسخ منها إلى البريطانيين، وحفظتها مراسلاتهم. ويسجل الأرشيف البريطاني أن محمد بن خليفة أكد في إحدى رسائله أن البحرين جزء من الأراضي الفارسية وأن سكانها من رعاياها، بينما تضمنت عريضته الموجهة إلى الشاه في أبريل/نيسان 1860م ترتيبات لدفع المال سنويًا ورفع علم الأسد والشمس الإيراني في مقر الحاكم.

فالرسالة العربية نفسها منشورة ومؤرشفة ضمن الأرشيف الايراني ومترجمة باللغتين ، وفيها يحدد محمد بن خليفة التزامه المالي تجاه إيران بعبارة لا تحتمل كثيرًا من التأويل: «فأنا متعهد لها في كل سنة نوصل مبلغًا قدره خمسة آلاف تومان نقدًا إلى الخزانة العامرة». إذن نحن أمام تعهد مكتوب، ومبلغ محدد، ودفع سنوي أو جزية إلى خزينة الدولة القاجارية.

وتستوقف القارئ أيضًا لغة الرسالة، فمحمد بن خليفة لا يخاطب الشاه بلهجة مراسلة بين حاكمين متكافئين، وإنما يسبغ عليه سلسلة طويلة من ألقاب التعظيم والتبجيل، ويكرر وصف إيران بـ«الدولة العلية». قد تنتمي بعض هذه الألقاب إلى تقاليد المكاتبات السياسية في القرن التاسع عشر، لكن اجتماعها مع التعهد المالي وما ورد في الرسائل الأخرى عن السيادة والعلم يجعل من الصعب فصل المديح عن طبيعة العلاقة التي كان الحاكم يسعى إليها.

وللغة السياسية هذه صدى معاصر، وإن اختلف الزمن ومفهوم السيادة ففي مايو/أيار 2024، وأثناء لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، طلب الملك حمد بن عيسى آل خليفة مساعدة روسيا في تحسين العلاقات مع إيران، وقال إن الدعم الروسي لهذا المسار مرحب به «من شعب البحرين ومني شخصيًا»، وإنه لا يوجد سبب لتأخير استئناف العلاقات الدبلوماسية مع طهران. وبعد ذلك أعلن مسؤول إيراني أن البحرين نقلت عبر روسيا رغبتها في استعادة العلاقات. المقارنة لا تقوم على تماثل الوضعين، بل على مفارقة الخطاب: علاقة تُقدَّم في الداخل بوصفها موضع اشتباه حين تُنسب إلى الخصوم، بينما سعى رأس السلطة نفسه، حين اقتضت السياسة، إلى وسيط دولي لإعادة فتحها.

بالعودة إلى الرسالة التاريخية فقد ظهرت لها لاحقًا رواية تفسر سلوك محمد بن خليفة باعتباره مناورة سياسية. فالحاكم، بحسبها، لم يكن تابعًا لإيران أو للدولة العثمانية، وإنما كان يلعب على القوى المحيطة لحماية حكمه. ويُستشهد بتبديل الأعلام: يرفع العلم الإيراني حين يحتاج إلى إيران، ثم ينزله ويرفع العلم العثماني، قبل أن يستقر لاحقًا في علاقة مع بريطانيا.

لكن الرسالة المكتوبة تقوض استخدام هذه المناورة لتخفيف دلالة ما حدث. فالقول إن محمد بن خليفة كان يناور بين إيران والعثمانيين وبريطانيا قد يفسر لماذا فعل ذلك، لكنه لا يغير حقيقة ما عرضه من تنازل لإيران والإقرار بتبعية رعايا البحرين لإيران والاستعداد لدفع الجزية، أي تعهدًا مكتوبًا تجاه «الدولة العلية» الإيرانية يقول فيه صراحة: «فأنا متعهد لها في كل سنة نوصل مبلغًا قدره خمسة آلاف تومان نقدًا إلى الخزانة العامرة».

وهنا ترتد لغة الولاء المستخدمة اليوم إلى تاريخ العائلة الحاكمة نفسها، فالوثيقة لا تتحدث عن معارض بحريني أتُّهم بالارتباط بطهران، بل عن حاكم من آل خليفة تعهد كتابةً بأن يدفع إلى خزينة الدولة الإيرانية خمسة آلاف تومان كل عام. وإذا كانت المناورة السياسية هي الدفاع الذي تقدمه السردية اللاحقة، فإنها لا تمحو الوثيقة، بل تطرح سؤالًا أشد حرجًا: ما الذي كان حاكم البحرين مستعدًا للتنازل عنه كي يحمي حكمه؟

الجهل بهذه الوثائق قد يكون ممكنًا. أما بعد ظهورها، فلن يكون الجهل بالتاريخ عذرًا.

 

 

.