ثروة وطن وضيق مواطن.. أين الخلل؟
زينب علي - 2026-10-07 - 6:20 م
حين يُذكر الفقر، تتجه الأنظار عادةً إلى الدول التي أنهكتها الحروب والصراعات، وتراجعت فيها مؤسسات الدولة. دول واسعة المساحة، مكتظة بالسكان، ومثقلة بأزمات سياسية واقتصادية تجعل إدارة مواردها تحدياً بالغ الصعوبة.
لكن هنا سؤالاً يفرض نفسه عندما نتحدث عن البحرين: كيف يمكن لبلد صغير المساحة، محدود السكان، غني بالنفط والألمنيوم، ومحاط ببحر كان على مدى عقود مصدراً رئيسياً للرزق، أن يجد جزء من أبنائه أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية ومعيشية لا تتناسب مع حجم ما تملكه البلاد من موارد؟
فالبحرين ليست دولة كبيرة تمتد لملايين الكيلومترات، ولا مجتمعاً يتجاوز عشرات الملايين بحيث تصبح إدارة الثروة والخدمات معضلة معقدة. إنها جزيرة صغيرة، وثروتها معروفة، وإمكاناتها محدودة لكنها واضحة.
وهنا تحديداً يصبح الحديث أكثر أهمية: أين تذهب الثروة؟ ومن المستفيد منها؟ ولماذا لا تنعكس موارد البلاد بصورة أكثر عدالة على حياة مواطنيها؟
ولعل الأرقام تساعد على فهم حجم السؤال.
فبحسب تقديرات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، بلغ خط الفقر التقديري للأسرة البحرينية نحو 490 ديناراً بحرينياً شهرياً، فيما قُدرت نسبة الفقر بين المواطنين بنحو 7.5%، أي ما يقارب 54 ألف مواطن. وهذه التقديرات تعود إلى بيانات عام 2021، وفق منهجية الإسكوا لقياس الفقر في دول مجلس التعاون.
لكن عند النظر إلى مؤشرات الدعم والأجور، تظهر صورة وأرقام أخرى تستحق التوقف عندها.
فوفق الأرقام الرسمية المنشورة للربع الثاني من عام 2026، يبلغ عدد المؤمن عليهم البحرينيين الذين تقل رواتبهم الشهرية عن 200 دينار 2,214 شخصاً، بينما يبلغ عدد الذين تتراوح رواتبهم بين 200 و399 ديناراً نحو 34,050 شخصاً. أي أن هناك أكثر من 36 ألف بحريني ضمن شريحة تقل رواتبهم عن 400 دينار شهرياً.
وهذه الأرقام تكشف عن وجود شريحة واسعة من المواطنين تعمل وتتقاضى أجوراً منخفضة جداً مقارنةً بكلفة المعيشة.
وإذا أضيف إلى ذلك عدد الأسر البحرينية المستفيدة من برامج الدعم المالي المباشر، ومنها علاوة غلاء المعيشة، وعددهم يصل إلى 140 الف مواطن، فإن السؤال يصبح أكثر أهمية: لماذا تحتاج أعداد كبيرة من الأسر إلى دعم مباشر ومستمر حتى تتمكن من مواجهة تكاليف الحياة؟
وهل يكفي الدعم لمعالجة المشكلة، أم أنه يعالج آثارها بينما تبقى جذورها قائمة؟
البحرين لم تكن فقيرة بالموارد قبل النفط. كان البحر نفسه ثروة، لوفرة الأسماك واللؤلؤ والمهن المرتبطة به، وكلها شكلت جزءاً من اقتصاد المجتمع البحريني، وكانت مئات العائلات تعتمد على البحر في معيشتها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثروة العامة من حق مشترك إلى مجال للنفوذ والسيطرة، وعندما تضيق المساحات التي كان المواطن يعيش منها، بينما تتسع في المقابل الفجوة بين ما تملكه الدولة من موارد، وما يشعر به المواطن من أثر تلك الموارد في حياته اليومية.
ولذلك فإن اختزال المشكلة في عبارة (البحرين دولة صغيرة ومواردها محدودة) لا يكفي. بل ربما يكون العكس هو الصحيح، فصغر مساحة الدولة ومحدودية عدد سكانها يفترضان أن تكون إدارة مواردها أكثر وضوحاً، وأن يكون وصول عوائد الثروة إلى المواطن أكثر قابلية للقياس والمساءلة.
المسألة في نهاية المطاف، ليست كم برميل نفط تنتج البحرين، ولا كم طناً من الألمنيوم تصدر، ولا كم كيلومتراً مربعاً تبلغ مساحة البلاد، بل عن مدى شعور المواطن بأن ثروة بلده تعود إليه بشكل فعلي.
فالثروة التي لا تتحول إلى تعليم جيد، ورعاية صحية، وسكن ملائم، وفرص عمل، وأجور تحفظ كرامة الإنسان، وحياة اقتصادية مستقرة، تبقى مجرد أرقام في بيانات الدولة.
والأخطر من الفقر نفسه أن يعيش المواطن في بلد غني، ثم يُطلب منه أن يتعامل مع ضيق المعيشة وكأنه أمر طبيعي، مع الصمت القسري!
وهنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كانت الموارد موجودة، فأين الخلل؟ في الموارد، أم في طريقة إدارتها وتوزيعها؟
فالثروة العامة ليست ملكاً لحكومة أو جهة أو عائلة، وإنما هي حق للمجتمع كله، والمساءلة عن كيفية إدارتها ليست ترفاً سياسياً، بل حق أصيل للمواطن الذي يتطلع لانعكاس ثروة البلاد على حياته وكرامته ومستقبل أسرته.