من محاكمة قادة هيئة الاتحاد الوطني إلى محاكمة فقهاء وعلماء المذهب: سبعون عامًا بين الاستعمار والتطبيع
عباس المرشد - 2026-10-12 - 7:39 م
مرآة البحرين: قبل سبعين عامًا بالضبط، كانت البحرين تعيش واحدة من أشد حملات القمع السياسي في تاريخها الحديث، في مشهد يستحضر ما يجري اليوم من اعتقالات ومحاكمات تطال علماء الدين وفقهاء المذهب، وإن اختلفت الأغراض والدوافع والسياقات السياسية. ففي فجر أحد أيام نوفمبر 1956، تحركت قوات الشرطة نحو منازل قادة هيئة الاتحاد الوطني، واعتقلت أبرز وجوه الحركة الإصلاحية التي استطاعت جمع البحرينيين حول مشروع وطني لمواجهة الاستعمار البريطاني وإصلاح نظام الحكم. وسرعان ما وُجهت إلى المعتقلين اتهامات أمنية واسعة، تتعلق بالتآمر على السلطة وإثارة الاضطرابات وتهديد أمن البلاد، تمهيدًا لتقديمهم أمام محكمة خاصة.
لكن الوثائق البريطانية تكشف ما هو أخطر من الاتهامات نفسها؛ فقد كانت ترتيبات نفي قادة الهيئة وعقوباتهم تمضي قبل أن تنعقد المحكمة وتفحص الأدلة وتصدر أحكامها. ففي 18 ديسمبر 1956، بدأت الإجراءات الرسمية المتعلقة بنقل المعتقلين إلى جزيرة سانت هيلينا، وفي اليوم التالي صدر التشريع البريطاني الذي أتاح تنفيذ النقل. ولم تنعقد المحكمة إلا يومي 22 و23 ديسمبر، قبل أن يُرحّل عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز الشملان وعبدعلي العليوات إلى المنفى في 28 ديسمبر.
كانت السلطة قد هيأت مصير أبرز قادة الحركة قبل انتهاء المحاكمة، فيما بقي القضاء مطالبًا بالنظر في اتهامات كان أحد أهم آثارها العقابية قد تقرر سياسيًا. ولا تثبت الوثائق أن منطوق الأحكام كُتب مسبقًا، لكنها تثبت أن ترتيبات النفي سبقت صدورها، وهو ما يضع استقلال المحكمة عن القرار السياسي موضع تساؤل جدي.
وبعد سبعين عامًا، تعود الأسئلة نفسها مع محاكمات أكتوبر 2026، حين يجد علماء وفقهاء وأساتذة حوزات أنفسهم أمام اتهامات أمنية يتصدرها الحديث الرسمي عن «ولاية الفقيه». وتزيد الاعتراضات على ظروف الاعتقال وإجراءات المحاكمة، والروايات المتعلقة بتقييد حقوق الدفاع، من أهمية التساؤل عما إذا كانت المحاكمات تجري بمعزل عن الأحكام السياسية التي سبقتها في الخطاب الأمني والإعلامي.
غير أن المقارنة التاريخية تكتسب دلالة أعمق عند العودة إلى شخصية الفقيه السيد علي كمال الدين، أحد أبرز قادة هيئة الاتحاد الوطني وممثل المرجعية الدينية في الحركة. فلم يكن السيد علي مجرد رجل دين يؤيد مطالب الإصلاح، بل كان يؤدي دورًا في وصل العمل الوطني بالمرجعية الدينية في النجف. وتحمل المراسلات والاستفتاءات المرتبطة بالمرجع الشيخ علي كاشف الغطاء، بحسب المادة الأرشيفية المتصلة بالهيئة، أسئلة كان السيد علي يرفعها بشأن نشاط الحركة، وأجوبة فقهية يستند إليها في ممارسة دوره السياسي.
لقد كانت المرجعية الدينية ممثلة بالشيخ علي كاشف الغطاء حاضرة في العمل الوطني البحريني قبل سبعين عامًا، وكان أحد قادة الحركة الإصلاحية يرجع إلى الفقيه في مسائل الشأن العام ويعمل بتوجيهاته. وهي ممارسة تتصل تاريخيًا بمفهوم الولاية والنيابة الفقهية.
لم يكن السيد علي كمال الدين ضمن القادة الخمسة الذين حوكموا في ديسمبر 1956، لكن ذلك لم يحمه من الإجراءات التي استهدفت قيادة الهيئة. ففي يوميات المستشار البريطاني تشارلز بلجريف بتاريخ 16 يناير 1957، ترد في تلك اليوميات، إشارة إلى طلب بلجريف من السيد علي كمال الدين الغريفي مغادرة البحرين إلى العراق لمدة غير محددة. وهكذا امتدت إجراءات إبعاد الحركة الوطنية إلى الفقيه الذي مثّل المرجعية الدينية داخلها، من دون أن يكون طرفًا في المحاكمة الخاصة.
كانت السلطة آنذاك تواجه مصلحين سياسيين سعوا إلى إصلاح الإدارة والقضاء وتوسيع المشاركة الشعبية ومقاومة النفوذ البريطاني. أما اليوم، فإن الملاحقات تطال فقهاء ومربين وأساتذة ارتبطت مكانتهم الاجتماعية بالتعليم الديني والإرشاد والتربية الأخلاقية، ومن بينهم العلامة الشيخ محمد صنقور. والعلامة الشيخ محمود العالي والعلامة الشيخ علي الصددي وغيرهم. وإذا كان قادة الهيئة قد عملوا على إصلاح المجال السياسي، فإن هؤلاء العلماء يمثلون، في جانب أساسي من أدوارهم، مشروعًا لإصلاح الإنسان والمجتمع، وتعزيز قيم العزة والكرامة والمسؤولية الأخلاقية.
وتزداد المفارقة حين ننظر إلى التحالفات الخارجية التي أحاطت بالتجربتين. ففي الخمسينيات، كانت السلطة تتحرك تحت مظلة الحماية البريطانية، وشاركت المؤسسات الاستعمارية مباشرة في ترتيبات نفي قادة الحركة الوطنية. أما اليوم، فتتحرك البحرين ضمن تحالفات أمنية وسياسية مختلفة، تتصدرها علاقات التطبيع مع إسرائيل والارتباط بالترتيبات العسكرية الإقليمية في ظل الحرب مع إيران.
وربما يكمن الجامع المشترك بين العلماء والفقهاء المعتقلين اليوم في مواقفهم الدينية والوطنية المعارضة لهذه الخيارات. فهم ينتمون إلى تقاليد فقهية ترفض التطبيع مع إسرائيل وتحرّم صورًا من التعامل معها، ويتبنون رؤية سيادية تؤكد ضرورة النأي بالبحرين عن المشاركة في الحرب على إيران، فضلًا عن اضطلاعهم بمشروع تربوي وأخلاقي يعزز قيم العزة والكرامة ويحافظ على استقلال المجتمع الديني والأخلاقي في مواجهة ما يرونه مشروعات لإضعاف هويته وقيمه.
وإذا ثبت أن هذه المواقف تجمع الشخصيات المعتقلة، فإنها تطرح تفسيرًا سياسيًا يستحق الفحص لدوافع الملاحقات. فرفض التطبيع، ومعارضة الانخراط في الحروب الإقليمية، والدفاع عن الهوية الدينية والأخلاقية، ليست جرائم بذاتها. ومن هنا يبرز السؤال عما إذا كان الخطاب المتكرر لوزير الداخلية بشأن «ولاية الفقيه» يستند إلى أفعال جنائية محددة، أم يؤدي وظيفة سياسية في نقل الخلاف مع هذه المواقف من مجاله الديني والوطني إلى المجال الأمني.
قبل سبعين عامًا، كانت السلطة تواجه حركة وطنية استطاعت توحيد البحرينيين في مواجهة النفوذ البريطاني، وكان من بين قادتها رجل دين يستند إلى المرجعية الدينية في عمله الإصلاحي. واليوم، تحاكم السلطة علماء وفقهاء يحملون مواقف دينية ووطنية قد تتعارض مع خياراتها الإقليمية، بينما يُستحضر مفهوم «ولاية الفقيه» في الاتهامات والخطاب الأمني.
لقد تغيرت طبيعة القوى المستهدفة من المصلحين السياسيين إلى المصلحين الدينيين والأخلاقيين، وتبدلت التحالفات الخارجية من الاستعمار البريطاني إلى علاقات التطبيع والترتيبات الأمنية المعاصرة. لكن التجربتين تضعان أمام البحرين سؤالًا تاريخيًا لم يفقد أهميته: إلى أي مدى يستطيع القضاء حماية استقلاله عندما تتداخل المحاكمات مع صراع السلطة مع مراكز التأثير الاجتماعي والسياسي والديني؟
وتبقى المفارقة أن السيد علي كمال الدين، الذي جسّد حضور المرجعية الفقهية في الحركة الوطنية سنة 1956، تعرض للإبعاد في ظل النفوذ البريطاني، فيما أصبح مفهوم «ولاية الفقيه» بعد سبعين عامًا عنوانًا بارزًا في الخطاب الأمني المصاحب لمحاكمة علماء المذهب.
- 2026-10-12الفرق بين الصحفيين البحرينيين والأمريكيين في قراءة سرديات الحرب الأخيرة
- 2026-10-11تهديدٌ علني لأحد المواطنين بلا أيّ رادع.. الهيستريا في سلوك الأمن البحريني تتضاعف!
- 2026-10-11السلطة تتباهى بتنسيق الحرب على إيران مع واشنطن: إلى متى المغامرة بأمن البحرينيين؟
- 2026-10-10الأنمي مسموحة في البحرين وشعائر الشيعة ممنوعة!
- 2026-10-10من انتقاداتها لأحداث البحرين إلى نوبل للسلام.. نافي بيلاي ومسار طويل في الدفاع عن القانون الدولي