خدعة العفو الملكي.. الحرية ما زالت محتجزة!

2026-10-23 - 12:00 ص

مرآة البحرين: في تقرير صدر مؤخرًا عنها، توقفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" و"معهد البحرين للحقوق والديمقراطية" عند إعادة السلطات البحرينية اعتقال مواطنين كانوا قد أُفرج عنهم من السجن بموجب عفو ملكي.

بحسب التقرير المشترك، كان المواطنون قد احتُجزوا سابقًا بتهم مسيّسة، ثمّ اعتُقلوا مجددًا في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2026 بزعم عدم دفع غرامات تعود إلى عقد مضى.

تعليقًا على هذه القضية، قالت باحثة البحرين واليمن في "هيومن رايتس ووتش" نيكو جعفرنيا: "حظي قرار الملك حمد بن عيسى آل خليفة بالعفو عن أكثر من 3 آلاف سجين خلال العامين الماضيين بإشادة دولية واسعة، لكن هذه الاعتقالات الجديدة تثير تساؤلات بشأن جدية قرارات العفو. على من أشادوا بالعفو دعوة البحرين إلى وقف إعادة اعتقال الناس والإفراج عمن احتُجزوا مجددا".

المنظمة والمعهد تحدّثا إلى ثلاثة مواطنين، بينهم ناجي فتيل، المدافع البحريني البارز عن حقوق الإنسان، وهو أحد التسعة الذين أُعيد اعتقالهم وصرّح من سجنه. كما تحدثت المنظمتان إلى مصطفى الجمري وحسن برويس، اللذَين لم يُعتقلا مجددا بعد، لكنهما قالا إن السلطات تسعى إلى احتجازهما.

التقرير رأى أن الاعتقالات تأتي في سياق واحدة من أكبر حملات القمع التي تشنها السلطات البحرينية على حرية التعبير والتجمع منذ الاعتقالات الواسعة التي أعقبت الاحتجاجات المُطالِبة بالديمقراطية في 2011، إذ اعتقلت منذ مارس/آذار، أكثر من 600 شخص.

الفكرة التي يطرحها التقرير تستحق الغوص بها أكثر، فالدولة تبيع الناس كلامًا وأوهامًا عن جملة من قرارات العفو الملكي. المسألة تعني بكلّ بساطة أن السلطة تقدّم نموذجًا لخداع الناس بـ"مبادرة" مُختلَقة تجاه المعتقلين ولاسيّما السياسيين الذين أمضوا معظم محكوميتهم في السجن، واقترب موعد خروجهم أو نيْلهم الحرية مجددًا.

العفو الذي يُفترض أن يطوي صفحة السجن، يتحوّل في النموذج البحريني إلى إجراء مؤقت لا يضمن حتى للمفرج عنهم البقاء خارج القضبان. وما إن يخرج السجين حتى يجد نفسه مهددًا بالعودة إلى السجن بذريعة غرامات مالية مرتبطة بذات الأحكام القضائية التي شملتها قرارات العفو، وكأن السلطة تبحث عن ثغرة قانونية تعيد من خلالها إنتاج العقوبة، وتفرغ العفو من مضمونه الإنساني والقانوني.

والأكثر غرابة أن هذه الغرامات لم تظهر فجأة، بل كانت إحدى البنود التي أسقطها قرار العفو، بدليل تصريحات وزارة الداخلية وجهات حكومية أخرى. فلماذا يُترك المفرج عنهم لمواجهة خطر الاعتقال مجددًا بعد أن قُدّمت حريتهم بوصفها ثمرة "مبادرة ملكية"؟ وهل كانت السلطة جادة في إنهاء معاناتهم، أم أنها أرادت الاكتفاء بمشهد الإفراج، مع إبقاء أبواب السجن مفتوحة أمامهم؟

إعادة الاعتقال بهذه الطريقة تكشف أن المشكلة لا تكمن في العفو نفسه، بل في غياب الضمانات التي تحمي المفرج عنهم من إعادة تدوير العقوبة تحت عناوين قانونية ومالية. فالعفو ليس منّةً تُمنح للمواطن ثم تُسحب منه عند أول ذريعة، ولا يصح أن يتحوّل إلى واجهة إعلامية لتحسين صورة السلطة، فيما يبقى السجين السابق أسير الخوف من الاعتقال مجددًا.

والأخطر أن هذه الممارسة لا تمسّ الأفراد وحدهم، بل تضرب الثقة بأيّ قرار عفو لاحق، وتبعث برسالة إلى المعتقلين وعائلاتهم مفادها أن الخروج من السجن لا يعني بالضرورة استعادة الحرية، وأن ما يُعلن بوصفه نهاية للمعاناة قد لا يكون سوى استراحة قصيرة بين اعتقالين.

في الحقيقة، لطالما قدّمت السلطات البحرينية قرارات العفو الملكي وبرامج العقوبات البديلة بوصفها دليلًا على التسامح والانفتاح والإصلاح، وحرصت على إبرازها أمام المؤسسات الحقوقية الغربية والوفود الدبلوماسية باعتبارها خطوات متقدمة في مجال حقوق الإنسان. لكن إعادة اعتقال مفرج عنهم بسبب غرامات قديمة تضع هذه السردية أمام اختبار حقيقي: ما قيمة العفو إذا لم يوفّر استقرارًا قانونيًا للمستفيدين منه؟ وما جدوى العقوبات البديلة إذا ظل المفرج عنهم مهددين بالعودة إلى السجن لأسباب كان يفترض التعامل معها بوضوح قبل الإفراج عنهم؟

هنا تتكشف المفارقة التي ينبغي ألا تغيب عن المراقبين الدوليين. السلطة تستطيع أن تعرض أعداد المفرج عنهم، وتحتفي بقرارات العفو، وتسوّق برامج العقوبات البديلة باعتبارها إنجازات إصلاحية، لكنها لا تستطيع إخفاء التناقض بين هذه الشعارات والممارسات على الأرض. الإصلاح الحقوقي لا يُقاس بعدد من يخرجون من السجون في يوم واحد، بل بمدى ضمان عدم إعادتهم إليها تعسفًا، وباحترام حرياتهم، وإنهاء الملاحقات ذات الدوافع السياسية، وتوفير ضمانات تمنع الانتقام منهم بعد الإفراج عنهم.

وعليه، ما يجري يطرح شُبهة استخدام العفو الملكي والعقوبات البديلة أدوات لتحسين صورة البحرين أمام المراقبين الحقوقيين الغربيين، من دون معالجة الأسباب السياسية والقانونية التي تُبقي أزمة السجناء قائمة. فالدولة تعرض واجهة برّاقة من التسامح والإفراج والإصلاح، بينما تكشف إعادة الاعتقال أن الحرية التي تمنحها قد تكون هشة، وأن أبواب السجن لا تُغلق بالضرورة خلف من خرجوا منه.