ابتسامات الملك لن تُجمّل قمعه!

2026-10-28 - 11:16 م

مرآة البحرين: في البحرين يُراد أن تُخفي الصور الإيجابية تلك الصور الهائلة التي تعرّي مسرحيات الحكمة والقيادة الرشيدة. حملات العلاقات الاجتماعية التي تهتمّ الدولة بإدارتها عبر وسائلها الخاصة رغم كل الأموال التي تُصرف لإنجاحها وتبييض صفحة النظام سيء السمعة أمام الرأي العام الغربي، تفشل دائمًا في التغطية على كمّ الجرائم الحقوقية وحالة الخنق التي تعيشها شعب البحرين، ولاسيّما خلال الأشهر الأخيرة.

يقول الخبر أن الملك حمد بن خليفة حضر حفل افتتاح جامع الشيخ أحمد الفاتح بن محمد آل خليفة في منطقة القضيبية بمحافظة العاصمة، وذلك بعد إعادة بنائه بتوجيه منه، بحضور ولي العهد سلمان بن حمد.

الخبر مليءٌ بابتسامات الملك ونجله وأعوانهما والحضور الظاهر في الصور المرفقة مع الخبر. وكأنّ الجميع يقول في الصور يا للهول! ما هذا التسامح والتعايش! ما هذا الخير كلّه! كم أن الملك فاعل للخير وناشر له. لكن مهلًا. من يبني هذا الجامع هو نفسه من يمنع الشعائر الإسلامية عن طيفٍ واسع وعريض من الشعب. ومن يبتسم أمام عدسات الكاميرات متحدثًا بلغة التسامح والتعايش، هو نفسه من تُثار في عهده وبأمره المباشر أسئلة خطيرة عن التضييق على الشعائر الحسينية، واستدعاء العلماء والخطباء، وملاحقة الأصوات الدينية، وتحويل المناسبات التي تشكّل جزءًا أصيلًا من هوية البحرينيين الشيعة إلى ملفات أمنية.

أيّ تعايش يُراد تسويقه، حين تصبح ممارسة الشعائر موضع اشتباه، ويُعامَل الموروث الديني لشريحة واسعة من المواطنين وكأنه عبء ينبغي تطويقه؟

إعادة بناء جامع وافتتاحه عملٌ يمكن أن يكون موضع تقدير في ذاته، لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل دور العبادة إلى منصات لتلميع صورة السلطة، وحين يُراد للمشهد الديني أن يؤدي وظيفة سياسية تتجاوز معناه الروحي. فالمساجد لا تُقاس بفخامة بنائها، ولا تُختزل رسالتها في صور الملوك والابتسامات المصطفّة أمام الكاميرات، بل تُقاس أيضًا بما تحمله من قيم العدل والحرية والمساواة، وبمدى احترام الدولة لحق الناس في ممارسة دينهم من دون تمييز أو تضييق.

كما أن التعايش ليس ديكورًا يُنصب للمناسبات، ولا صورةً تُلتقط بعناية لتُصدَّر إلى الخارج. التعايش الحقيقي هو أن يشعر المواطن بأن كرامته مصونة، وأن هويته الدينية ليست موضع استهداف، وأن حقه في إحياء شعائره لا يتوقف على مزاج الأجهزة الأمنية أو حدود ما تسمح به السلطة. أمّا أن تُرفع لافتة التسامح في مكان، بينما تتصاعد الشكاوى من التضييق في أماكن أخرى، فذلك تناقض لا تستطيع عدسات التصوير إخفاءه، مهما أُحكم إخراج المشهد.

البحرين لا تحتاج إلى صور جديدة تُجمّل صورتها، بقدر ما تحتاج إلى واقعٍ يُصدّق تلك الصور. لا تحتاج إلى مزيد من الخطب عن الوحدة الوطنية، بقدر ما تحتاج إلى سياسات تُترجم هذه الوحدة إلى مساواة فعلية بين المواطنين، وتكفّ عن التعامل مع شعائر الشيعة باعتبارها مشكلة أمنية. ولا تحتاج إلى حملات علاقات عامة تُقنع الخارج بأن كل شيء على ما يرام، بقدر ما تحتاج إلى معالجة أسباب الانتقاد الحقوقي بدل الاكتفاء بمحاولة حجبها.

الجامع الذي يُعاد بناؤه يمكن أن يصبح معلمًا دينيًا، لكنّه لا يستطيع، مهما بلغت فخامته، أن يكون شهادة براءة سياسية. والتسامح الذي يحتاج إلى كل هذا التجميل الإعلامي، فيما تظلّ أسئلة التمييز والحريات الدينية بلا إجابات مقنعة، لن تصنعه صورة ملكٍ مبتسم، بل تصنعه دولةٌ تحترم مواطنيها جميعًا، لا دولةٌ تتقن تصوير التسامح أكثر مما تتقن ممارسته.