حين يُسجن صوت المعارضة: علي سلمان وسؤال البحرين المؤجّل

عبدالله البحراني - 2026-10-30 - 1:50 م

مرآة البحرين: في الثلاثين من أكتوبر، يُطفئ الشيخ علي سلمان عامه الحادي والستين، فيما يقضي أيامه خلف القضبان. وبين ميلاده عام 1965 واعتقاله في 28 ديسمبر 2014، تمتد حكاية رجل اختار العمل السياسي المعارض، لينتهي به المسار إلى السجن المؤبد.

لكن السؤال الذي تطرحه هذه الذكرى لا يتعلق بمصير رجل وحده: ماذا يحدث لوطنٍ حين يصبح أحد أبرز وجوه معارضته غائبًا عن الحياة العامة، وتُغلق الأبواب التي كان يُفترض أن تتيح للخلاف السياسي طريقًا إلى الحوار؟

ليست القضية أن نتفق مع علي سلمان في كل ما قاله أو تبنّاه، ولا أن نمنح أي زعيم سياسي حصانة من النقد والمساءلة. القضية أعمق من ذلك: هل يمكن بناء استقرار مستدام حين تُختزل المعارضة في ملف أمني، ويُترك الخلاف السياسي للمحاكم بدلًا من أن يجد طريقه إلى المؤسسات والحوار؟

* قضية تتجاوز الرجل

اعتُقل الشيخ علي سلمان في 28 ديسمبر 2014، بعد سنوات من نشاطه بصفته الأمين العام لجمعية الوفاق الوطني الإسلامية، التي مثّلت أحد أبرز قوى المعارضة السياسية في البحرين. وفي يونيو 2015، صدر بحقه حكم بالسجن أربع سنوات على خلفية اتهامات مرتبطة بخطاباته ومواقفه السياسية. ثم رُفعت العقوبة إلى تسع سنوات في الاستئناف عام 2016، وشهدت القضية مسارًا قضائيًا تضمن نقض الحكم وإعادة المحاكمة قبل تأكيده.

وفي قضية منفصلة، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد في نوفمبر 2018، بعد إلغاء حكم سابق ببراءته في قضية اتصالات مع مسؤولين قطريين. وأيّدت محكمة التمييز الحكم في يناير 2019. وهكذا، لم تكن سنوات احتجازه نتيجة حكم واحد، بل حصيلة مسارين قضائيين مختلفين انتهيا إلى استمرار سجنه.

هذه الوقائع ليست تفصيلًا إجرائيًا؛ إنها جوهر القضية. فمن حق الرأي العام أن يعرف كيف بدأت المحاكمات، وكيف تغيّرت الأحكام، وما الحجج التي استندت إليها السلطات، وما الاعتراضات التي أثارتها الجهات الحقوقية.

انتقدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش المحاكمات والأحكام الصادرة بحق الشيخ علي سلمان، ورأت المنظمتان أن قضايا مرتبطة بممارسته السلمية لحرية التعبير شابتها انتهاكات لحقوقه الأساسية. كما اعترضت منظمة العفو الدولية على حكم المؤبد في القضية المنفصلة، ودعت إلى إلغاء الإدانة وإطلاق سراحه.

* ماذا كسبت البحرين من غياب المعارضة؟

لكن وراء الوقائع سؤال سياسي لا يجوز تجاهله: ماذا كسبت البحرين من استمرار غياب أحد أبرز وجوه المعارضة عن المجال العام؟

لا يمكن قياس قوة الدولة بعدد المعارضين الذين أُبعدوا عن المشهد، ولا بمدى صمت الشوارع والمنابر، ولا بقدرتها على تقليص مساحة الاختلاف. الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى التنافس السياسي السلمي، بل تجعله وسيلة لتصحيح الأخطاء، واختبار السياسات، وتجديد الثقة بينها وبين المجتمع.

أما حين يتراجع المجال المتاح للعمل السياسي، فإن الخلافات لا تختفي بالضرورة؛ قد تتراكم في النفوس، وتتسع المسافة بين المجتمع ومؤسساته، ويصبح استعادة الثقة أكثر صعوبة. ومن هنا، فإن قضية علي سلمان تتجاوز مصير شخص، لتلامس مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود المشاركة السياسية، وإمكان الوصول إلى تسوية وطنية تستوعب الاختلاف بدلًا من أن تدفعه إلى مزيد من الانغلاق.

* الوفاق ومستقبل التعددية

في يونيو 2016، عُلّق نشاط جمعية الوفاق، قبل أن يصدر في يوليو من العام نفسه حكم قضائي بحلها وتصفية أموالها. وبذلك اتسعت دائرة الأسئلة المتعلقة بمستقبل التعددية السياسية في البلاد.

إن حل جمعية معارضة وسجن أمينها العام ليسا حدثين منفصلين عن السياق الوطني. فحين تتقلص مساحات التنظيم والتعبير والمنافسة، تتضرر قدرة المجتمع على إدارة خلافاته عبر قنوات سياسية واضحة.

ولا يعني ذلك أن المعارضة معصومة من الخطأ، أو أن مواقفها ينبغي أن تُقبل بلا نقاش. على العكس، فإن المعارضة الجادة مطالبة بالوضوح والمراجعة واحترام التعدد، كما أن السلطة مطالبة بإتاحة المجال للمنافسة العادلة، وضمان الحقوق، والاحتكام إلى القانون بمعايير لا تتغير تبعًا لهوية الخصم السياسي.

فالمعيار الحقيقي ليس من ينتصر في جولة سياسية عابرة، بل ما إذا كانت قواعد المشاركة والعدالة قادرة على حماية الجميع، بمن فيهم أشد المنتقدين للسلطة.

* الوطن لا يُدار بالغياب

في ذكرى ميلاد علي سلمان، لا يكفي أن نستعيد خطبه، أو نحصي سنوات سجنه، أو نكتفي بعبارات الأسى والتضامن. الأجدى أن نسأل عن الطريق الذي أوصل الحياة السياسية إلى هذا المأزق، وعن الشروط التي يمكن أن تعيد فتح أفق الحل الوطني.

إن الإفراج عن السجناء السياسيين، ومراجعة الأحكام التي تثير اعتراضات حقوقية جدية، وضمان حرية التعبير والتنظيم، وإعادة الاعتبار إلى الحوار الجاد، ليست مطالب تخص طرفًا سياسيًا وحده، بل خطوات يمكن أن تفتح الطريق أمام مصالحة وطنية حقيقية.

مصالحة لا تقوم على النسيان القسري، ولا على مطالبة طرف بالتنازل عن حقوقه كي ينعم الآخر بالاستقرار، بل على الاعتراف بالأخطاء، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وإرساء العدالة وسيادة القانون، وتهيئة المجال أمام جميع البحرينيين للمشاركة في بناء مستقبلهم المشترك.

فاستقرار البحرين لا يتحقق بإسكات الخلافات، بل بمعالجتها بعدالة. ولا تُستعاد الثقة بقرار منفرد، بل بمسار وطني يشعر فيه الجميع بأن كرامتهم وحقوقهم مصونة.

إن قصة الشيخ علي سلمان ليست، في جوهرها، قصة سجين أو زعيم معارض فحسب؛ إنها مرآة لسؤال أوسع يواجه البحرين منذ سنوات: هل يمكن للدولة أن تبني استقرارًا حقيقيًا وهي تُقصي أصوات المعارضة، وتحوّل الخلاف السياسي من مساحة للحوار والمساءلة إلى ملفات أمنية وقضائية؟

إن غياب المعارضين عن الحياة العامة لا يلغي وجود الخلاف في المجتمع، بل يدفع إدارته إلى الأفق، ويجعل الثقة بين الدولة والمواطن أكثر هشاشة. أما الاستقرار المستدام فلا يُصنع بالصمت ولا بإبعاد الخصوم، بل بقواعد عادلة تضمن للجميع حق التعبير والتنظيم والمنافسة، وتجعل القانون درعًا للحقوق لا أداة لحسابات سياسية متغيرة.

وعلى مشارف اثني عشر عامًا على اعتقاله، لا ينبغي أن تتحول ذكرى ميلاد الشيخ علي سلمان إلى مناسبة لتقديس الأشخاص أو إعادة إنتاج الانقسامات. إنها فرصة لاختبار فكرة أكثر أهمية: هل يستطيع الوطن أن يتسع لمعارضيه، وأن يعالج خلافاته من دون أن يجعل السجن نهاية الطريق السياسي؟

قد يختلف البحرينيون في تقييم علي سلمان وتجربته، لكن الاختلاف نفسه هو ما يجعل ضمان الحقوق والحريات ضرورة وطنية، لا امتيازًا تمنحه السلطة لمن توافقها رأيُه.

فالأوطان لا تصبح أقوى حين يخلو المشهد من الأصوات المخالفة، بل حين تستطيع تلك الأصوات أن تتكلم، وحين يستطيع المجتمع أن يحاسب ويناقش ويختار، ضمن قانون عادل ومؤسسات تحترم كرامة الإنسان.

وفي ذكرى ميلاد علي سلمان، يبقى السؤال الأهم ليس متى يعود إلى بيته، بل متى تستعيد البحرين قدرتها على أن تتسع لجميع أبنائها؛ حين تتحول السياسة من سبب للأزمة إلى طريق للحل، ومن إسكات الاختلاف إلى إدارته بعدالة وكرامة.