من الكويت الى البحرين: استهداف العلماء ومعركة إخضاع الهوية الشيعية
2026-10-31 - 2:59 م
مرآة البحرين: كيف يمكن فهم التصعيد في وجه أستاذ الدراسات العليا في الحوزة العلمية سماحة الشيخ حسين المعتوق؟ هو سؤالٌ مطروحٌ منذ صدور حكم الإعدام بحقّه في الكويت. يتبعه سؤالٌ آخر: ما هو مستقبل الحالة الإسلامية الشيعية في عموم الخليج؟
المسألة ليست حكمًا قضائيًا معزولًا عن محيطه السياسي، بل واقعة تستدعي قراءة ما وراءها، خصوصًا حين توضع إلى جانب حملة الاعتقالات والمحاكمات التي طالت علماء الدين في البحرين، وما رافقها من تضييق على الشعائر والمؤسسات الدينية الشيعية. التزامن بين هذه التطورات يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت السلطات في البلديْن تتجه نحو إعادة رسم حدود المسموح به دينيًا وسياسيًا، وتحديد طبيعة المرجعيات والأفكار التي يُسمح لها بالحضور والتأثير في المجتمع.
يرى مراقبون أن دوائر القرار في بعض دول الخليج باتت تنظر إلى التيار الولائي الشيعي في هذه المنطقة من زاوية أمنية متشددة، وتحوّل كلّ ما يتعلّق به من أفكار وعقائد إيمانية الى تهديدات ومواضع اشتباه وصولًا إلى الاتهام والإدانة.
هنا تحديدًا تبرز خطورة المرحلة: حين تتسع دائرة التضييق والملاحقات المباشرة لتشمل العلماء ووكلاء المرجعيات ومدرّسي الحوزات، لا يعود الأمر متعلقًا بملاحقة أفراد على خلفية أفعال محددة، بل يصبح السؤال متعلقًا بحدود الحرية الدينية ذاتها، وبحق المجتمعات الشيعية في الاحتفاظ بمرجعياتها ومؤسساتها الفكرية والعلمية.
الكويت: الديمقراطية في مواجهة اختبار وجودي
تقول مصادر كويتية مواكبة للحراك الرسمي في دولة الكويت إن البلاد تعيش منذ مايو/ أيار 2024 أزمة متداخلة الأبعاد، بدأت بحل مجلس الأمة ووقف العمل بمواد دستورية جوهرية (المواد 79، 107، 181)، ممّا نقل السلطة التشريعية فعليًا إلى الأمير ومجلس الوزراء. وتزامن ذلك مع حرب إقليمية أوقفت الصادرات النفطية، وحملة أمنية وقضائية واسعة، وتوسّع في سحب الجنسيات، وتضييق على الشعائر الدينية. والنتيجة أن البلاد تواجه أربع أزمات مترابطة: دستورية، واقتصادية، وحقوقية، وأمنية.
بحسب المصادر، هناك تقاطعٌ للمصالح الاستراتيجية الأمريكية و"الاسرائيلية" مع ما يحدث في الكويت، والأبرز هو الدور الإماراتي الكبير في السياسة الداخلية منذ تسلّم الأمير الحالي، وهذه كلّها تحوّلات قد تكون تمهيدًا للتطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني.
الدور الإماراتي، وفق المصادر، يتجسّد حرفيًا في الشراكة الاستراتيجية مع الكويت، فمنذ تولّي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح (ديسمبر/ كانون الأول 2023)، تطورت العلاقة إلى شراكة مؤسسية: زيارات مُتبادلة (مارس/ آذار ونوفمبر/تشرين الثاني 2024)، لجنة عليا مشتركة (يناير/كانون الأول 2026، 5 مذكرات تفاهم)، اتفاقية تجنّب ازدواج ضريبي (فبراير/شباط 2024)، تجارة غير نفطية 54.5 مليار درهم (2025)، واستثمارات متبادلة تتجاوز 10 مليارات دولار.
الدور الإماراتي ظهر أيضًا من خلال التنسيق الأمني عبر مذكرة حماية بيانات (يونيو/حزيران 2025)، "ضربة أمنية مشتركة" ضد تجار المخدرات، وتنسيق عسكري.
المصادر ترى لهذا الحضور الإماراتي أثرًا على التحوّل السياسي، فالإمارات نموذج للدولة المركزية الأمنية، والشراكة معها توفّر غطاءً إقليميًا لتعطيل البرلمان، وسحب الجنسيات، وتضييق الحريات. كما أنها ناقل للتطبيع، إذ طبّعت علاقاتها مع "إسرائيل"، وقد تُسهّل على الكويت اتخاذ خطوات مماثلة.
وربطًا بهذه العلاقة التي تتعزّز بين البلديْن، تعتبر المصادر أن هناك مسعى لإضعاف القوى التقليدية، فالتحوّل نحو مركزية القرار يهمّش النواب والقبائل والتيارات الإسلامية، ويُزيل العقبات أمام قرارات كبرى دون توافق وطني.
كذلك تقول المصادر إن سحب الجنسيات من قبل الدولة الكويتية هي خطة لإنشاء شريحة جديدة فقيرة تُقدّر اليوم بأكثر من 10% من مجموع الشعب الكويتي، ليتحوّل الدعم الخيري الذي لطالما اشتُهرت به الكويت عبر أرباب العمل الإنساني، من الخارج الى الداخل.
على صعيد الوضع الديني والحقوقي، كانت الكويت قد شهدت حالة من التضييق على الشعائر من خلال تقييد تجمعات شهر محرم بساعات ليلية، منع الرايات والملابس الرمزية، إغلاق حسينية آل ياسين، منع توزيع الطعام التقليدي (البركة)، حملات تفتيش يومية.
إلى جانب هذا، عمدت الدولة إلى التضييق على الحالة الرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، عبر إضعاف المكوّن الشيعي الذي كان من أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية، وتفريغ المنابر من الخطاب المناهض للتطبيع.
التقاطع بين الكويت والبحرين
إبّان الحرب على إيران وبعدها، استعرت الحملة الأمنية في البحرين والكويت على المواطنين الشيعة حصرًا. حربٌ على عقيدة ولاية الفقيه لدى شيعة الخليج والهدف اجتثاثها، والعملية لا تتحقّق إلّا من خلال استهداف فئة العلماء ووكلاء المرجعيات الدينية ومدراء الحوزات الدينية.
في البحرين هناك أكثر من 60 شيخًا وعالمًا برُتب حوزوية مُتقدّمة. كلّ هؤلاء في السجن اليوم في محاكمة سرية يُمنع الرأي العام من الاطلاع على حيثياتها وتفاصيلها أو الاطمئنان على أوضاع العلماء.
هذه السياسة المتّبعة في البحرين والكويت لا يمكن أن تسمّى تطهيرًا أمنيًا لمُتهمين أمنيين أو جنائيين، بل هي نهجٌ انتقامي من عقيدة يعتنقها طيفٌ واسع من الشيعة وشيعة الخليج منهم وليسوا خارجهم، شاء الأمراء والملوك أم أبوا.
استهداف العلماء بسبب عقائدهم الدينية أو الفكرية، يحمل دلالات تتجاوز الأشخاص المستهدفين. فالعالِم في البيئة الشيعية أكان في البحرين أم في الكويت، ليس مجرد واعظ أو مدرّس، بل يمثّل حلقة وصل بين المجتمع والمرجعية الدينية، ويسهم في تشكيل الوعي الديني والأخلاقي، ونقل المعرفة الفقهية، والحفاظ على استمرارية المؤسسات الحوزوية.
ولهذا، فإن التضييق على العلماء أو إخضاعهم لإجراءات سلبية إلى أبعد الحدود يمكن أن ينعكس على المجتمع بأكمله، من خلال ضرب مؤسساته الدينية، وتضييق المجال المتاح للنقاش الفكري والتعبير عن المواقف السياسية.
ضربٌ لحقوق شيعة الخليج
ومن هنا، لا يمكن اختزال القضية في مصير الشيخ حسين المعتوق وحده، أو مصير علماء البحرين المعتقلين، فهي تفتح نقاشًا أوسع حول حق الشيعة في الخليج في ممارسة معتقداتهم، والحفاظ على مؤسساتهم العلمية، والتعبير عن قناعاتهم الدينية، من دون أن يصبح ذلك سببًا كافيًا للاشتباه أو العقاب.
قد تنجح الإجراءات الأمنية في إشاعة الرعب أو ترهيب المجتمع، وقد تدفع الاعتقالات والمحاكمات بعض الأصوات إلى الانكفاء، لكنها لا تستطيع أن تحسم بالقوة الأسئلة الفكرية والعقائدية التي تتجذّر في وجدان أصحابها. فالأفكار الدينية لا تختفي لمجرد التضييق على حامليها، كما أن المرجعيات العلمية لا تفقد مكانتها لمجرد استهداف بعض رموزها.
في الخلاصة، الرهان على إخضاع البيئة الشيعية عبر الضغط على علمائها ينطوي على سوء تقدير لطبيعة العلاقة بين المجتمع ومؤسساته الدينية. فهذه العلاقة ليست علاقة تنظيم سياسي يمكن تفكيكه بقرار أمني، بل امتداد تاريخي وعلمي واجتماعي تشكل عبر أجيال. وكلّما اتسعت الفجوة بين السلطة ومكوّنات المجتمع، وتراجعت الثقة في عدالة الإجراءات، ازدادت احتمالات الاحتقان بدلًا من الاستقرار.
- 2026-10-29الشيخ حسين المعتوق بعد الحكم بإعدامه: لا توجد محاكمة عادلة في الكويت والقضاء وسيلة للتنكيل
- 2026-10-29الكويت: الإعدام لثلاثة متهمين بينهم سماحة الشيخ حسين المعتوق في قضية تخابر مع إيران والتخطيط لاغتيال وزير الداخلية
- 2026-06-02الكويت: الحاج موسى المسري شهيداً مظلومًا بالسجن المركزي
- 2026-04-29الإمارات تنسحب من أوبك في ضربة قوية لتحالف منتجي النفط وسط خلافات بين دول الخليج
- 2026-04-24محكمة «أمن الدولة» في الكويت: الامتناع عن معاقبة 109 مدونين وتبرئة 9 وحبس 18 متهماً بالتعاطف مع إيران